الخميس 15 يناير 2026 07:18 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

المقالات

الدكتورة ماجي دميان تكتب: الصحة والضمان الاجتماعي نموذجًا ..مصر بين الإنجاز والتحدي

النهار نيوز

شهدت الدولة المصرية خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي تحولًا نوعيًا في فلسفة إدارة الملفات الاجتماعية، انطلاقًا من إدراك عميق بأن بناء الإنسان هو الركيزة الأساسية للتنمية الشاملة والاستقرار الوطني. وفي هذا الإطار، برز قطاعا الصحة والضمان الاجتماعي كأحد أهم ملامح الدولة الاجتماعية الحديثة، حيث انتقل التعامل معهما من منطق الاستجابة المؤقتة إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

وشهد القطاع الصحي في مصر منذ عام 2014 نقلة غير مسبوقة، حيث أصبح تطوير المنظومة الصحية مشروعًا وطنيًا يستهدف إتاحة الرعاية الصحية باعتبارها حقًا أصيلًا للمواطن. وقد انعكس ذلك في حجم الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في البنية التحتية الصحية، إذ ارتفع عدد المستشفيات الحكومية والخاصة من نحو 1673 مستشفى عام 2014 إلى قرابة 2000 مستشفى بحلول عام 2023، إلى جانب تنفيذ أكثر من ألف مشروع صحي بتكلفة تجاوزت 98 مليار جنيه.

ولم يقتصر التطوير على التوسع الكمي، بل شمل تحديث الأجهزة الطبية، وزيادة الطاقة الاستيعابية لأقسام الطوارئ والعناية المركزة، والتوسع في مراكز الغسيل الكلوي التي تجاوز عددها 8000 مركز على مستوى الجمهورية، بما ساهم في تخفيف المعاناة عن المرضى، خاصة في المحافظات الحدودية والنائية.

وعلى مستوى الإصلاح الهيكلي، مثّل إطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل تحولًا تاريخيًا في مسار العدالة الصحية، حيث بدأت في بورسعيد عام 2019، ثم امتدت إلى عدد من المحافظات، مقدمة عشرات الملايين من الخدمات الطبية، ومعيدة توجيه فلسفة الرعاية الصحية نحو الوقاية والمتابعة المستمرة بدلًا من الاكتفاء بالعلاج عند المرض.

كما أطلقت الدولة عددًا من المبادرات الرئاسية غير المسبوقة في مجال الصحة العامة، في مقدمتها مبادرة «100 مليون صحة»، التي نجحت في فحص أكثر من 63 مليون مواطن، وعلاج ملايين الحالات من فيروس سي والأمراض المزمنة، لتتحول مصر إلى نموذج دولي في مجال الصحة الوقائية.

بالتوازي مع إصلاح القطاع الصحي، شهدت منظومة الضمان الاجتماعي في مصر تحولًا جوهريًا في مفهومها وأدواتها، حيث تبنت الدولة نهجًا قائمًا على توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا، وتحقيق العدالة الاجتماعية. ويُعد برنامج «تكافل وكرامة» أحد أبرز ملامح هذا التحول، إذ توسع ليغطي ملايين الأسر، مستهدفًا كبار السن، وذوي الإعاقة، والأسر الأولى بالرعاية، مع ربط الدعم بالانتظام في التعليم والرعاية الصحية، بما يعزز الاستثمار في رأس المال البشري.

وخلال فترات الأزمات الاقتصادية العالمية، لعبت برامج الضمان الاجتماعي دورًا حيويًا في حماية الفئات الهشة من تداعيات التضخم وارتفاع الأسعار، عبر زيادات متتالية في قيمة المساعدات النقدية، وإطلاق حزم حماية اجتماعية استثنائية، بما ساهم في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

كما شهدت منظومة التأمينات الاجتماعية والمعاشات إصلاحات تشريعية ومؤسسية مهمة، أبرزها إصدار قانون التأمينات الاجتماعية الموحد، الذي وسّع مظلة الحماية لتشمل العمالة غير المنتظمة، ورسّخ مبدأ العدالة التأمينية، وضمان حياة كريمة بعد التقاعد.

ورغم هذه الإنجازات اللافتة، فإن منظومتي الصحة والضمان الاجتماعي لا تزالان تواجهان تحديات مشتركة، يأتي في مقدمتها نقص الكوادر الطبية وهجرة الأطباء، وعدم التوزيع العادل للخدمات بين المحافظات، إلى جانب تحديات الاستدامة المالية ودقة الاستهداف في برامج الدعم الاجتماعي.

غير أن الاتجاه المتزايد نحو الرقمنة، وتحديث قواعد البيانات، وربط الخدمات الصحية والاجتماعية بمنصات موحدة، يعكس إدراك الدولة لأهمية التكامل بين السياسات الاجتماعية، بما يضمن كفاءة الإنفاق، وعدالة التوزيع، واستدامة الحماية.

في المجمل، يمكن القول إن مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي خطت خطوات واسعة نحو ترسيخ نموذج الدولة الاجتماعية الحديثة، التي تضع صحة المواطن وأمنه الاجتماعي في صدارة أولوياتها. فقد تحولت الصحة والضمان الاجتماعي من ملفات خدمية تقليدية إلى أدوات استراتيجية لبناء الإنسان وتعزيز الاستقرار، ورغم استمرار التحديات، فإن ما تحقق يمثل قاعدة صلبة للانتقال إلى مرحلة أكثر نضجًا وكفاءة في إدارة السياسات الاجتماعية.

د. ماجي دميان

سفير دبلوماسي بالمنظمه الحكوميه بالأمم المتحدة و مستشار العلاقات الدولية بمجلس الاقتصاد العالمي