الأربعاء 7 يناير 2026 07:05 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

المقالات

د / محمود ابوعميرة يكتب : الإسراء والمعراج رحلة التكريم واليقين.

النهار نيوز

في الذكرى العطرة لرحلة الإسراء والمعراج، تقف الكلمات خاشعة، وتنكسر الحروف إجلالًا، وتضيق اللغة عن احتواء عظمة حدثٍ لم يكن مجرد انتقالٍ في المكان، بل ارتقاءٌ في المقام، واصطفاءٌ ربانيّ لنبيه صلى عليه وسلم الذي حمل همّ الأرض، فرفعه الله إلى حيث لا يصل بشر، ليكون الجسر بين السماء والإنسان، وبين الضعف البشري والعظمة الإلهية.
إنها الرحلة التي بدأت من الأرض المثقلة بالجراح، حيث مكة التي ضاقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ظلمًا وأذى، فانتهت عند سدرة المنتهى، حيث لا يعلو صوتٌ فوق صوت التسبيح، ولا يسكن القلب إلا في حضرة الجلال، رحلةٌ أرادها الله تكريمًا لنبيه، وتثبيتًا لفؤاده، ورسالةً خالدة للأمة كلها: أن بعد العسر يسرًا، وبعد الانكسار رفعًا، وبعد الليل فجرًا لا يخيب.
وفي ليلة الإسراء، طُويت المسافات، وسُخّرت القوانين، ليعلم الإنسان أن قدرة الله لا تحدّها حدود، وأن ما يعجز عنه العقل البشري، يهون إذا تعلّق الأمر بإرادة الله، وفي المعراج لم يكن الصعود بالجسد وحده، بل كان صعودًا بالروح، وترقيةً للإيمان، وتكريمًا للإنسان حين يكون عبدًا خالصًا لله.
وهناك، في علياء السماء، فُرضت الصلاة، لا في الأرض، ولا عبر وسيط، بل تكريمًا لهذه العبادة التي هي معراج الأرواح في كل زمان ومكان، وكأن الرسالة واضحة: من أراد القرب من الله، فليُحسن الوقوف بين يديه، ومن أراد أن يسمو بروحه، فليُحافظ على صلاته، فإنها الإسراء اليومي للمؤمنين.
والإسراء والمعراج ليست ذكرى تُروى، بل مدرسة تُعاش. تعلمنا أن الشدائد ليست علامة خذلان، بل قد تكون بوابة اصطفاء، تعلمنا أن الله يرى دموع الصادقين، ويسمع أنين المظلومين، ويجبر الخواطر في الوقت الذي يراه، لا في الوقت الذي نريده، تعلمنا أن الطريق إلى السماء يبدأ من صدق العبودية على الأرض.
فما احوجنا في هذه الذكرى المباركة الى ااستحضار دروسها: أن نُجدّد يقيننا بالله حين تضيق بنا الدنيا، أن نثق بحكمة الله حين تتكاثر الأسئلة، أن نرتقي بأخلاقنا كما ارتقى نبينا صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده، وأن نعلم أن الإيمان ليس كلماتٍ تُقال، بل سلوكٌ يُعاش، وصبرٌ يُجاهد، وعبوديةٌ تُخلص.
فيا من أرهقته الهموم، تذكّر أن الله أسرى بعبده في ليلةٍ واحدة، فغيّر مسار الألم إلى أفق الأمل، ويا من أثقلته الذنوب، تذكّر أن باب السماء مفتوح للتائبين، ويا من يبحث عن معنى الحياة، اعلم أن أعظم المعاني تبدأ حين تكون عبدًا لله، وتمشي في الأرض بكل تواضع وقلبك معلّق بالسماء.
صلاة وسلامٌا على النبي المختار في رحلته المباركة، وسلامٌ على القلوب التي تعي الدرس، وسلامٌ على اناس إن فهمت الإسراء والمعراج حق الفهم، فأرتفعت بأخلاقها، وتطهّرت بأعمالها، وسارت إلى الله بخطى واثقة، وقلبٍ عامرٍ بالنور واليقين.

الإسراء والمعراج رحلة اليقين