السبت 2 مارس 2024 10:12 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

المقالات

الكاتب الصحفي مصطفى جمعة يكتب : حلب لا تعرف الكسوف ولا المغيب ك”نهار العاشق ”

النهار نيوز

إنّ الذي البس "الشهباء" من صنائعه ثوب الخلود ،عرى كارهيها والبسهم ثوب العار ، ما انتم يا كلاب النار بجانب تاريخها الا سوى كومة شاذة متكدسة ومتكرسة من رمائم عظمية وجماجم

مابين الواقع المر والحلم المبهج «شعرة»، اسمها المدينة البيضاء باللغة السريانيّة اوالشهباء بالعربية ودها حالة** من الصفاء، تغلفها اجواء كلها نقاء، تغسله مياه السماء التي بها من الدواء ما يزيح كل هم ويفرج كل كرب ويقلب حالات القنوط الى انفراج يؤدي الى الاقبال على الحياة بكل مباهجها وزخمها وبهائها وحسن ضيائها.

تبهرك حلب ، بجبروتها وقوتها الخفية التي تشكل إحدى دعائم جمالها وسطوعها عبر القرون. فهي تحدت الزلزال و تكسرت على سواعدها موجات الطاعون والكوليرا في أعوام 1823 و 1827،ولذا فهي نموذج لنوع من المدن ما عاد موجوداً إلاّ في الذاكرة أو في الحلم، لكنه يبقى، على المستوى الجمالى والهندسي، من أجمل ما توصل إليه البشر في علاقتهم بالمكان الذين يعيشون ضمنه كأنهم يتسلقون الهواء.

وحلب تلك المدينة الآتية من زمن آخر تبدو شاهداً على ثقافة كانت تولي الجماليات شأناً عظيماً. ففي حجارتها المنحوتة وفي واجهات أبنيتها الكثير من عطاءات الشعر. وهذه الهندسة المتقَنَة، الرفيعة المستوى، تخفي روح المدينة.

ويتشكل جسد حلب من مكونات لا عدد لها بين المادية وروحية، وربما الطوب والخرسانة والخشب هو أهم مكونات المادة المكونة لجسد المدينةوابوابها التسعة ( باب الحديد، باب أنطاكية ، باب النيرب، باب الجنان أو باب جنين في اللهجة الحلبية،.باب النصر، باب الأحمر، باب قنسرين، باب المقام ، باب قنسرين، باب الفرج،) أما الذاكرة والمشاهدات والتفاعل الحياتي والمنتج الفكري والذهني والتقني هو الذي يشكل روح المدينة، وبين المادة والروح يتكون الكيان الذي يصنع الحياة بأشكالها الطبقية والمتباينة والتي تخضع في محصلة النهائية

وهذا التاريخ الطويل ذو التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية لأقدم مدينة في العالم، حلب التي كانت عاصمة لمملكة يمحاض الأمورية في حوالي 1800 قبل الميلاد وتعاقبت عليها بعد ذلك حضاراتٌ عدة مثل الحثية والآرامية والآشورية والفارسية والهيلينية والرومانية والبيزنطية والإسلامية. ينعكس في كل زاوية من زوايا هذه المدينة ولذلك التجول فيها سياحة في عالم غني بثقافة وفن شعوب مختلفة الاجناس والاعراق يلتقون بين حنايا حدود مدينة وتربطهم الآمال المشتركة رغم انهم يحتفظون بتقاليدهم المتميزة ولغاتهم الخاصة بهم.

شمس حلب لا تعرف الكسوف ولا المغيب ومتى اشرقت تتحول ضواحيها افراح وزغاريد ولباس ابيض كالنهار العاشق و كانفاس الطيور والفراش العاشق لكل جمال ونقاء وتحول شواطئها إلى مسرح للسعادة والعشق الأبدي دائم الاخضرار تعبق بين جنباته أريج الزهور من كل لون نوع وغدير من عشق لا ينضب ضفافه خضراء من روح ما زالت ربيع ومن سحبها وغيومها البيضاء وجبات تكحل العيون بالسهد وتروي ظمأها بالسحر وتسدل على أكتافها شال حرير مطرز بالوان الاخضر والاصفر والازرق لوحات بلون الربيع النضر يحدثه ويتحدث اليه لوقت السحر ويهمس لي بكل يقين انتي يا حلب اميرة الكون.

وحلب صاحبة المكانة الحاضرة في التاريخ والتي مزجت كل الحضارات التي مرت على ارضها منذ فجر نور الانسانية على الارض في توليفة ابداعية جمعت ما بين سحر الشرق وحرارته وجمال الخلق وملامحه، تمتلك بانوراما تكتمل فيها الشهوة والفن والذروة والسعادة. وهي في النهاية تصور ما في ذهن البشر من حلم وجود مدن المتعة حتى لو في شكلها الغرائبي.

واذا كانت لـحلب اسطورتها الان انها اكدت بأن عالمنا المعاصر من الممكن ان يصنع أساطيره أيضاً، حيث صارت صناعة الأسطورة في العصر الحديث عمليا رجوع الفكر العقلاني إلى الحالة الميثولوجية «الأسطورية» ويعرفها بأنها هي الحالة السحرية العميقة التي اثر فيها الانسان على المكان.

إذا كانت « الاسطورة» بنت الخيال الخصب، وام الحكايات، حيث تشابك فيها الخيال الى حد المزج مع الحقائق وتداخلت فيها الوقائع مع الاساطير الى حد الذوبان لكن في النهاية « حلب » الاسطورة هي خليط لحالات اقتصادية واجتماعية وتاريخية، وأن لها في الغالب أساسها من الحقيقة والواقع، وإذا كانت تتخذ أشكالاً لا عقلانية فإنها تتوجه نحو مقاصد هي في الصميم مرسومة بقوة العقل ومنطقه.

نهار العاشق