السبت 27 نوفمبر 2021 07:02 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

السياسة

الدكتور أيمن سلامة يكتب : لمذا تجدد القتال ثانية بين أرمينيا و أذربيجان ؟

النهار نيوز

وسط خشية من تجدد النزاع الذي اندلع العام الماضي بين البلدين الخصمين في منطقة القوقاز، لا تزال المعارك التي تجددت في الأسابيع الماضية بين أرمينيا وأذربيجان ، ووقعت هذه المواجهات بالقرب من منطقة ناغورنو كاراباخ المتنازع عليها ، و أتى ذلك رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار ونشر قوات حفظ سلام روسية بعد اشتباكات عام 2020.

يثور السؤال الاهم في هذا السياق ، وهو ما هي ضمانات تنفيذ اتفاقات وقط إطلاق النار بين الدول المتحاربة ؟

حِين تدعو الضرورة أثناء القتال بشكل عام إلى وقفه توقيفا مؤقتا، وذلك لأغراض مختلفة من بينها إغاثة الجرحى الموجودين في الميدان، ونقل جثثهم ودفنهم، يعقد المتحاربون اتفاقا لوقف إطلاق النار، والأخير هو اتفاق عسكري مؤقت وليست له صفة سياسية، ولا ينص في ذلك الاتفاق على شروط ذات طابع سياسي، خلافا لاتفاقات الهدنة ذات الطابع السياسي العسكري.

ورغم أن الغالب أن يتم الاتفاق بين المتحاربين وبإرادتهم السياسة الحرة، إلا أنه وفي الآونة الأخيرة وفي الحالات التي من شأن استمرارها تهديد للسلم والأمن الدوليين، نجد أن مجلس الأمن يقوم بإصدار قراراته في شأن حفظ السلم والأمن الدوليين وإعادتهما لنصابهما، وتتضمن مثل هذه القرارات الأمر بوقف إطلاق النار من جانب المتحاربين ، وقد يتوسط طرف ثالث من أجل تسهيل إبرام مثل هذه الإتفاقات كما في الحالة الآزارية – الأرمينية ، حين اضطلعت روسيا الإتحادية بهذا المطلب من الطرفين المتحاربين .

يَتسم الوقف المؤقّت للأعمال العدائية العسكرية بين المتحاربين بالمزيد من عدم الرسمية، ويمكن أن يكَون خُطوة أولية تجاه الوصول إلى اتفاق أكثر رسمية، وقد تفسر عبارة " الوقف المؤقت لإطلاق النار " بحسبانها مرادفة لعبارة " الوقف المؤقت للأعمال العدائية " أو "وقف إطلاق النار ".

وتأسيساً على ذلك؛ تُفسر هذه العبارة بأنها وقف مُتفق عليه للقتال، محلياً كان أم عاماً خلال فترة زمنية من زمن النزاع المسلح، وليس بالضرورة أن ينهي هذا الاتفاق النزاع المسلح بين الأطراف المتحاربة سواء بحكم القانون أو بحكم الواقع.

على الجانب الآخر، تَعني الهدنة في معناها القانوني، اتفاقا يتم بمقتضاه وقف عمليات القتال بين الأطراف المتحاربة، وهو اتفاق سياسي عسكري يؤدي غالباً إلى وقف القتال لفترة طويلة نسبياً، مقارنة باتفاق وقف إطلاق النار، وإن كانت الهدنة لا تعني إنهاء حالة الحرب، و اتفاق الهدنة عمل ذو طابع سياسى بجانب صفته العسكرية، يلجأ إليه المتحاربون توطئةً لعقد الصلح؛ لذلك فالذي يملك عقد الهدنة حكومات الدول المتحاربة ذاتها، ويتولى الأمر في شأن الهدنة وفي تحديد شروطها ممثلون عن أطراف الاتفاق يعينون خصيصا لذلك، ولا تصبح الهدنة ملزمة إلا إذا أقرتها حكومات الدول الأطراف فيه.

وكما تشمل الهدنة وقف جميع العمليات الحربية بين طرفي النزاع المسلح في جميع الميادين، وهو ما يعرف بالهدنة العامة، حيث استخدم مجلس الأمن مصطلح الهدنة العامة في قراره بتاريخ 16 نوفمبر عام 1948 بشأن الحرب الإسرائيلية العربية، وقد تقتصر الهدنة -أيضا- على مناطق معينة وهي ما تعرف بالهدنة المحلية، وعادة ما يحدد للهدنة أجل تنتهي بانقضائه، ويكون لكلا الفريقين المتحاربين العودة للقتال إن لم يتفقا على الصلح.

ويتحدد مضمون الهدنة من قِبل أطرافها، وهو قد يشمل، إضافة للأعمال المحظورة، إنشاء مناطق منزوعة السلاح كما تم في اتفاق الهدنة الشهير عام 1953 بعد انتهاء الحرب الكورية، والذي أنشأ المنطقة منزوعة السلاح شمال وجنوب خط العرض 38، وإنشاء مناطق دفاعية، وتبادل أسرى الحرب، ويُعد أي إخلال جَسيم بشروط الهدنة الواردة في اتفاقها من جانب أحد الطرفين يعطي الطرف الآخر الحق في نقضها ويعتبرها منتهية، وله في حالة الضرورة القصوى أن يستأنف القتال مباشرة، وفضلا عن ذلك فإن هذا الانتهاك ومخالفة شروط الهدنة، يرتب المسؤولية الدولية على الدولة المخالفة بوصفها ارتكبت مخالفة لالتزاماتها الدولية، أما إذا كان الإخلال من الأفراد من تلقاء أنفسهم وبإرادتهم المحضة، أي دون تلقى أوامر قيادية عليا من رؤسائهم، فللطرف الآخر أن يطلب فقط معاقبة المسئولين، ودفع تعويض عن الإضرار التي نتجت عن هذا الإخلال .

والهدنة مهما طال أمدها لا تعني إلا مجرد وقف القتال بين أطرافها ولا تنهي قانونا حالة الحرب القائمة بينهم، فحالة الحرب لا تنتهي قانونا إلا بتوقيع معاهدة سلام مثل التي أنهت الحرب بين إسرائيل ومصر والتي أبرمتها الدولتين في مارس 1979، واتفاقية وادي عربة عام 1994 التي أنهت الحرب بين إسرائيل والأردن.

أما اتفيقات التهدئة أو منع التصعيد للعمليات العدائية العسكرية بين المتحاربين، فيمكن اعتبارها الاتفاقات الأسرع التي يتم التوصل لها برعاية وسيط دولي ، و تتضمن هذه الطائفة من الاتفاقات التي شاع اللجوء إليها في مناطق النزاع المسلح، جملة من الإجراءات الأولية التي يمكن أن تفضي في معظم الأحوال إلي اتفاق وقف إطلاق النار، أو اتفاق الهدنة بين المتحاربين .

هناك العديد من الضمانات التي يلزم توافرها من أجل استمرار وفاعلية اتفاق وقف إطلاق النار بين المتحاربين، و تشمل هذه الضمانات المجالات الأساسية الأربعة الأتية :

أولاً : تعريف وقف إطلاق النار نفسه (المنطقة التي ينطبق عليها في حالة وقف إطلاق النار المحلي، ومتى وكيف يبدأ نفاذه ) وما الذي يشكل انتهاكًا لاتفاق وقف إطلاق النار، والتعريف المشار إليه، لا مَشاحة، سيكون له تداعيات مهمة في مرحلة التنفيذ ، عندما يبحث المراقبون عن ما إذا كانت حوادث معينة تعتبر انتهاكات.

ثانياً: الترتيبات التفصيلية لرصد تنفيذ وقف إطلاق النار، والتي ستتضمن أحكامًا للإبلاغ عن الحوادث والتحقق منها وتسوية النزاعات، وغالبًا ما يقوم بذلك جنود حفظ سلام مسلحون أو مراقبون غير مسلحون، وقد تتكون فرق المراقبة من مراقبين وطنيين (على سبيل المثال، مراقبو "بانتاي لوقف إطلاق النار" في الفلبين)، أو مراقبين دوليين حصريًا - وهو ما يميل إلى أن يكون القاعدة في بعثات حفظ السلام - أو مزيجًا من الأعضاء الدوليين والوطنيين، وتشير أفضل الممارسات إلى فوائد السيناريو الأخير، بإشراك أطراف النزاع أنفسهم كأعضاء وطنيين في إطار مراقبة وقف إطلاق النار ، كما كان الحال في جبال النوبة في السودان، وبعد ذلك في نيبال.

ثالثاً: تشكل الخرائط والأطُر الزمنية التفصيلية للتنفيذ بشكل متزايد جزءًا من اتفاقيات وقف إطلاق النار، لاستباق مجموعة من القضايا التي يمكن أن تنشأ في مرحلة التنفيذ، وتعد ملاحق اتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة، مثلا يحتذي في هذا السياق .

رابعاً: الأحكام المحددة السياق والتي تتعلق بالإفراج عن أسرى الحرب و المعتقلين، وإزالة الألغام ، والوصول إلى المساعدة الإنسانية في مناطق النزاع وتسليم جثامين القتلي.

خامسا : من أهم عوامل نجاح تنفيذ مهمات المراقبين الدوليين لوقف اطلاق النار أن يمتلك اطراف النزاع خطة المراقبة التى سينفذها المراقبون الدوليون ، فترك هذه المهمه بحذافيرها وتفصيلاتها للمراقبين الدوليين فقط دون اشتراك الفرقاء المتحاربين ينقص من فاعلية المراقبة و تحديد المسؤولية عن المسؤولين عن خرق وقف اطلاق الناراذا حدث .

سادسا : يجب ألا تقتصر مهمة مراقبة وقف إطلاق النار علي رصد انتهاكات الإتفاق الخاص بوقف إطلاق النار ، ولكن يجب أن تشمل المساهمة الفعالة في عملية التحول من الحرب الى السلام ، فنجاح المراقبة من شأنه أن يخلق ويبني الثقة بين أرمينياو أذربيجان فضلا عن أنه يمنع اي فرصة اللجوء مرة ثانية للعنف ، وفضلا عن ذلك فهذه المراقبة يجب أن توفر حماية للمدنيين غير المنخرطين في النزاع المسلح ، ويمكن أن تخلق المراقبة بناء بيئة سياسية وأمنية مواتية لإستئناف الحوار بين المتحاربين.

سابعاٍ : ضرورة أن تكون الولاية الممنوحة للمراقبين الدوليين واضحة وحاسمة ولا تحتوي علي أي نصوص غامضة تحتمل تفسيرات مختلفة من المتحاربين ، وإلا فالفشل سيكون المصير المحسوم لمهمة مراقبة وقف إطلاق النار.

ثامناً : تلعب التكنولوجيا المتطورة دوراً كبيراً وفاعلاً في تنفيذ مهمه مراقبة وقف اطلاق النار، فالوسائل و الادوات التكنولوجية المتقدمة توفرالمراقبة الفاعلة على مدار الساعة ، وتكتشف الخروقات لإتفاق وقف إطلاق النار في حينه ، فقد تتضمن الوسائل التكنولوجية الكاميرات بعيدة المدى ، و الطائرات المسيرة ،وشبكات المحمول الذكية، وأيضا التصوير العادي والفوتوغرافي ، والأقمار الصناعية وغيرها من وسائل استخباراتية صناعية حديثة .

تاسعاً : من أهم عوامل نجاح المراقبة الفاعلة لوقف اطلاق النار بين المتحاربين ، ثقة هؤلاء المتحاربين في الحاجة الماسة لمراقبة وقف اطلاق النار بينهم .