السبت 27 نوفمبر 2021 07:07 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

السياسة

أيمن سلامة يكتب : ماهية العقوبات التي تنتظر معرقلي الإنتخابات الليبية

النهار نيوز

وفّر المؤتمر الدولي الذي التأم في باريس أمس الجمعة بدعوة فرنسية - أممية ورئاسة ثلاثية (فرنسية وألمانية وإيطالية)، وبحضور واسع ورفيع المستوى، جُرعة دعم قوية للانتقال السياسي في ليبيا وللانتخابات النيابية والرئاسية التي رأى فيها البيان الختامي الباب لاستعادة ليبيا لسيادتها وإعادة توحيد مؤسساتها، ولكن أيضاً لخروج وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، واللافت في البيان الختامي تلويح المؤتمرين باتخاذ إجراءات عقابية في إطار مجلس الأمن الدولي، ضد معطلي الانتخابات أو الذين يرفضون الانتقال السلس للسلطة.

تفرض الدول والهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي عقوبات اقتصادية لإكراه، أو ردع، أو معاقبة، أو فضح دول أو كيانات أو أشخاص تهدد مصالحها، أو تخرق قواعد السلوك الدولي.

ولجأت العديد من الدول في صدارتها الولايات المتحدة الأميركية ومجلس الأمن والاتحاد الأوربي إلى فَرض العقوبات الاقتصادية بغرض تحقيق عدد من الأهداف الأمنية والسياسية أيضا بما في ذلك مكافحة الإرهاب، وتهريب المخدرات، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحل الصراعات.

وتعد العقوبات الاقتصادية أكثر أساليب الردع انتشارا وتأثيرا في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تمثل علاجا صامتا وقاتلا في الوقت نفسه بوسائل أقل عنفا، كما أثبتت التجربة أنها المُعادل الاقتصادي لما يسمى في الحروب بالقصف الشامل، وهي من الأساليب التي انتهجتها كل من المنظمات الدولية والدول أثناء الحرب الباردة وازداد استعمالها أكثر مع نهاية تلك الحرب، حيث فرضتها الأمم المتحدة مرتين فقط، ضد روديسيا السابقة عام 1966، وجنوب إفريقيا عام 1977، ليتصاعد استخدامها كاستراتيجية متكررة ابتداء من 1990 من خلال فرضها من قبل الأمم المتحدة أكثر من 12 مرة خلال الفترة بين عامي 1990 و2002، فضلا عن أن الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة فرضت العقوبات الاقتصادية سواء الانفرادية والثنائية والإقليمية.

تُعد العقوبات الاقتصادية إجراء يهدف إلى التأثير على إرادة دولة لِحثها على احترام قواعد القانون الدولي، وأن العقوبات لا تستهدف حفظ وحماية القانون فقط، لكن حفظ وحماية السلام الذي لا يتفق بالضرورة في كل الأحوال مع القانون، لذا فإن العقوبة الاقتصادية هي وسيلة ضغط إيجابية أو سلبية، تهدف إلى تغيير السلوك السياسي للدولة المعاقبة، وهذه العقوبة يمكن أن تتدرج من التهديد البسيط إلى مقاطعة كلية أو شاملة للعلاقات الاقتصادية بين المعاقِب والمستهدَف.

تَيقنت الأمم المتحدة أن الشعوب صارت ضحايا هذه الانتهاكات وليست الأنظمة السياسية، بل إن قادة هذه الدول وفي حالات عديدة انتفعوا بتأليب الشعوب المكلومة بنار العقوبات على "الآخر" الذي فرض هذه العقوبات، ومن ثم تصدح أبواق النظم الاستبدادية بالخطابات والدعايات التحريضية المجندة للاصطفاف حول القيادة التي أوقعت شعبها في فخ العقوبات الدولية الشديدة.

كان الدرس العراقي بعد حرب الخليج 1990-1991 مريرا، فكانت التداعيات السلبية الكارثية على الشعب العراقي مدعاة لأن تقوم الأمم المتحدة باستلهام الدروس والعبر، فابتدعت المنظمة الأممية الآلية الجديدة للعقوبات الاقتصادية التي عرفت بالعقوبات الذكية، بغرض تجنب انتهاك الحقوق الأساسية لعامة السكان، والحد قدر المستطاع من المعضلات الأخلاقية التي تثيرها مثل هذه التدابير الجزائية داخل منظومة الأمم المتحدة أو خارجها، وحتى لا تتسبب هذه العقوبات في معاناة الفئات الضعيفة، وتولد أضرارا جسيمة طويلة الأجل علي القدرة الإنتاجية للبلد المستهدف، وآثارا وخيمة علي البلدان المجاورة .

خُبّرَت دول عديدة بالآثار السلبية علي السكان المدنيين جَراء فرض العقوبات الاقتصادية علي هذه الدول مثل روديسيا السابقة والعراق و يوغوسلافيا السابقة وهايتي، وبات جليا أن فرض العقوبات الاقتصادية والشاملة منها على وجه الخصوص ليست البديل اللاعنفي للقوة المسلحة مثل الحرب، حيث تُفضي إلى الموت والمعاناة، على الرغم من أن جميع العقوبات تعفي الأنظمة الغذائية والأدوية خلافا للحرب، بيد أن جميع الضحايا هم على جانب واحد، لذلك فقد اعتبرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر العقوبات الاقتصادية الشاملة تدابير متناقضة، فهي تستخدم كمحاولة لتعزيز السلام وحقوق الإنسان وفي الوقت نفسه تقوّض هذه الحقوق.

ورد مصطلح "الذكاء" لتوصف العقوبات به على أساس أنه يميز بين "المُعتدين على السلام والسكان الأبرياء"، فلا يؤخذ السكان كرهائن بل المعتدون–هم فقط- المستهدفون، وبالنسبة للكثيرين، فعبارة "العقوبات الذكية" تعني استخدام عقوبات انتقائية تمييزية في مقابل العقوبات التجارية الشاملة التي تعتبر ضمنا "غَبية "، وقد جاءت استعارة العقوبات الذكية من الأهداف نفسها التي استهدفتها "الأسلحة الذكية" أي تصويب الأهداف بدقة من دون أن تؤثر على أشخاص أو أهداف ليست مقصودة بالعقوبات أصلا، لذلك فالعقوبات الذكية مثل "القنابل الذكية" التي تهدف إلى تركيز أثرها على القادة والنخب السياسية وشرائح المجتمع التي يعتقد أنها مسؤولة عن السلوك المنبوذ.

تُركز العقوبات الذكية على القادة وصانعي القرار وشبكات تحالفهم، كما أنها تستهدف قطاعًا واحدًا فقط، وهو ما يُخفف من تأثيرها على المواطنين، وقد تم اللجوء إلى استخدامها بعد التكاليف الإنسانية الضخمة للعقوبات الشاملة ضد العراق، فعلى سبيل المثال قامت وزارة الخزانة الأمريكية في أغسطس 2018 بفرض عقوبات على وزيري العدل والأمن الداخلي التركيين ردًّا على اعتقال القس الأمريكي "أندرو برانسون"، كما قامت بفرض عقوبات على إدارة تطوير المعدات باللجنة العسكرية المركزية الصينية ومديرها "لي شانج- فو" بسبب شرائهم مقاتلات سوخوي وصواريخ أرض جو (إس-٤٠٠) من روسيا، حيث قامت بتجميد كل ممتلكاتهم في الولايات المتحدة، ومنع الأمريكيين من التعامل الاقتصادي معهم.

يُعد تجميد الأصول المالية للمستهدفين بالعقوبات الذكية مثالاً مهماً في سياق العقوبات الذكية ، وتدليلاً ، قام الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بتوقيع قانون أكتوبر 2018 يقضي بفرض عقوبات إضافية مشددة على "حزب الله"، ومنها: تجميد أصولهم المالية، وإلغاء التأشيرات، وحظر الدخول إلى الولايات المتحدة.

سبق أن وافق الاتحاد الأوربي على طلب قبرص فرض عقوبات على بعض الأشخاص والشركات التركية على خلفية دورهم في عمليات التنقيب التي تجريها أنقرة في المياه الاقتصادية الخالصة لقبرص .

أيضا تُعد العقوبات دبلوماسية أحد أنماط العقوبات الذكية التي تستهدف ممثلي الدول الدبلوماسيين ، و سبق للولايات المتحدة الأمريكية وكندا و14 دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبي أن طردت دبلوماسيين روس على خلفية قضية تسمم الجاسوس الروسي السابق "سيرجي سكريبال" في بريطانيا.

صفوة القول : لا يعجز المجتمع الدولي عن فرض الجزاءات الذكية ضد معرقلي الإنتحابات الليبية المرتقبة في دسميبر 2021 ، وربما تكون الصياغة التحذيرية لبيان قمة باريس أمس بشأن ليبيا أول إجماع دولي يهدف إلي ضمان إجراء هذه الإنتخابات في موعدها .