إنصاف هفرين خلف..... جوهر العدالة الانتقالية


بقلم / الدكتورة ليلي موسي
ممثل سوريا الديمقراطية بالقاهرة
في ذكرى اغتيال الشهيدة هفرين خلف، تعود إلى الذاكرة صورة امرأة كانت تحمل إلى السوريين وعداً بالحياة المشتركة، فإذا بالرصاص يقطع طريقها، ويعطي المجتمع ذاكرة أليمة بلون الدم يستعيدها كل عام.
ففي الثاني عشر من تشرين الأول عام 2019، اغتيلت الأمين العام لحزب سوريا المستقبل على الطريق الدولي في شمال وشرق سوريا، لم تكن تقود معركة عسكرية، بل كانت تمارس السياسة، وتراهن على إمكانية جمع أبناء بلد مزّقته الحرب، لذلك تجاوزت الجريمة حدود الاعتداء على إنسان، لتصيب فكرة أن الحوار يستطيع أن يجد لنفسه مكاناً بين البنادق.
لقد وثّقت عناصر من فصيل «أحرار الشرقية» جريمتها عن اغتيالها، وطالبت منظمات حقوقية بتحقيق مستقل ومحاسبة المتورطين، لكن السنوات التي مرّت لم تمنح عائلتها و شعبها العدالة التي تنتظرها.
وفي غياب محاسبة قضائية شفافة ومعلنة، يبقى السؤال معلقاً فوق أي حديث عن سوريا الجديدة، فكيف يطمئن المواطن السوري إلى مستقبل تحرسه القوانين، إذا كان ماضي الجريمة قادراً على عبور أبوابه بلا مساءلة؟.
تكتسب هذه الذكرى معناها الأعمق، مع مسار الاندماج وعودة المهجرين، فتوحيد المؤسسات خطوة ضرورية، وعودة العائلات إلى بيوتها استعادة لجزء من الحياة، لكن السلام يحتاج أيضاً إلى إعادة بناء الثقة.
إن من يعود إلى قريته يريد منزلاً وماءً ومدرسة، ويريد كذلك أن يعرف أن من اعتدى عليه لن يستطيع تكرار اعتدائه، وأن باب المحكمة مفتوح له، مهما كانت هويته أو هوية المتهم.
وهنا تصبح العدالة الانتقالية جزءاً من صميم عملية السلام، وواجباً يرافقها منذ خطواتها الأولى، وهي تبدأ بكشف الحقيقة وحفظ الأدلة وحماية الشهود، وتمتد إلى محاكمات عادلة وتعويض المتضررين وإصلاح المؤسسات والهياكل التي أتاحت الانتهاكات.
أما القصاص الذي يستحقه المجرمون، فمكانه القضاء العادل المستقل، الذي يحدد المسؤولية بالأدلة، ويطال المنفّذ ومن أمر بالجريمة أو سهّلها، حيث تثبت مسؤوليته، وبهذا المعنى، تنقل العدالة الغضب من احتمالات الثأر، إلى سلطة القانون.
ومن الضروري أن يشمل هذا المسار جميع الضحايا، فقضية هفرين تستطيع أن تفتح الباب أمام حق كل سوري، كردياً كان أم عربياً، ومن أي دين أو منطقة، فلا تُقاس حرمة الإنسان بانتمائه السياسي، ولا تتبدل مسؤولية الجاني، بتبدل موقعه وتحالفاته.
إن الدولة التي تجمع السوريين مطالبة بأن تجعل المؤسسة العامة مكاناً للمساءلة، والوظيفة مكاناً لمن يستحقها ، لا يختبئ خلف حصونها، وألا تسمح بأن تتحول ترتيبات الاندماج إلى حصانة من التحقيق في الجرائم الجسيمة التي ارتكبت.
في قلب هذه الحكاية (التي تُدمي القلب) تقف المرأة الكردية كالطود الشامخ رغم ما حملته من أعباء، فقد دفعت أثمان الحرب والتهجير، وربّت أبناءها وسط الخوف، ودخلت ميادين العمل والسياسة والدفاع عن مجتمعها.
لقد كانت هفرين واحدة من النساء اللواتي وسّعن حدود الممكن أمام بنات جيلهن، فحضورها السياسي يذكّر بأن الاعتراف بتضحيات النساء ينبغي أن يظهر في حقوقهن ومشاركتهن في صناعة القرار، وفي ضمان أمنهن حين يختلفن ويعارضن ويتقدمن إلى المشاركة في المجال العام.
وفي سياق الحديث عن تجربة والدتها، سعاد محمد، فأن الكلام عن القوة سيأخذ معنى أشد وجعاً، في شهادتها عن فقد ابنتها، وفي مطالبتها بحقها، لقد رأينا أُماً تحمل ما يفوق احتمال القلب، وتواصل الوقوف، شامخة كشموخ جبال كردستان، لكنها أُمً تتألم أيضاً، وشموخها لا يلغي دمعتها ولا يجعل الفاجعة أخف، وكانت قوتها في أنها لم تتخلَّ عن حق ابنتها، وأنها أبقت اسمها حاضراً أمام عالم اعتاد أن يمر سريعاً على أخبار الموت.
ولهذه الأم حق في أن ترى المجتمع والدولة يحملان معها عبء المطالبة بالعدالة، فلا يجوز أن تُترك أمهات الضحايا وحدهن يجمعن الوثائق ويلاحقن الأخبار وينتظرن جواباً، ومن واجب المؤسسات أن تصون كرامتهن، وأن تتيح لهن معرفة ما جرى، وأن تعترف علناً بما تعرضت له أسرهن. فالتعويض، مهما بلغ، لا يعيد الغائب، لكنه يصبح ذا معنى، حين يرافقه اعتراف ومسؤولية وضمان بعدم التكرار, خاصة وأن هناك العشرات من النساء اللاتي ما زلنا مفقودات أو رهن الأسر والاعتقال.
إن تسليط الضوء على اغتيال هفرين ضرورة لحماية المستقبل، فالسكوت يترك للجريمة فرصة أن تصبح سابقة مباحة، بينما تقول المحاسبة لكل من تسوّل له نفسه الاعتداء على المدنيين، إن انتهاء الحرب لا يمحو المسؤولية, وسيحاسب عليها سواء أكانت قتل امرأة أو اعتداء على رمزية تمثل جديلة امرأة كردية حرة كما حصل مؤخراً في الحسكة.
ولا بد من حفظ هذه الذاكرة رغم قسوتها ، وتثبيت سيرة الضحايا، في التعليم والإعلام والعمل الثقافي والتوثيق العام، بلغة تحترم خصوصية الضحايا، وتصون المجتمع من التحريض والكراهية الجماعية.
ستبقى هفرين، ومثلها ضحايا وقفوا بشجاعة إلى جانب كرامة الإنسان، أعلاماً في الذاكرة السورية، تستمد مكانتها من حياتها ومواقفها ومن الطريق الذي أرادت فتحه بين الناس، وأصدق وفاء لها أن تجد النساء بعدَها مساحة أوسع للحياة والعمل، وأن يصبح القانون أقوى من السلاح.
انطلاقاً مما سلف فأن وجود وحدات حماية المرأة ضمن تشكيلات عسكرية تحفظ خصوصيتها، هو ضرورة وطنية للدفاع عن الوطن وأمنه واستقراره، وعن النساء وحقهن في الحياة الحرة الكريمة، التي تحترم دورهن في المجتمع وتقدر تضحياتهن طوال سنوات الأزمة.



















العميد تامر يسري: السيطرة على حريق بشركة اخشاب بالمنطقة الصناعية
المحكمة الاقتصادية تقضي بالحبس 10 سنوات للمتهمين في قضية توظيف أموال بمليار...
محافظ سوهاج يحيل واقعة مصرع 3 أشخاص داخل بيارة صرف صحي بجرجا...
العناية الالهية وسرعة تدخل العميد تامر يسرى تنقذ المنطقة الصناعية بقويسنا من...
في جولة مسائية .. محافظ المنوفية يفاجئ مستشفى شبين الكوم للجراحات المتخصصة...
القاصد يعلن نجاح قسطرة مخية عاجلة لانسداد الشريان القاعدي وانقاذ مريض في...
أرواح 30 أسرة في خطر.. مستشفى خاص يغلق سلم الهروب والمناور ببرج...