الإثنين 5 أكتوبر 2026 01:24 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

إبراهيم عمران يكتب سنة الامتياز.. من البصمة لصناعة طبيب حقيقي

النهار نيوز

بعد سنوات من الدراسة والمعامل والامتحانات والتدريب الإكلينيكي، يصل طالب الطب إلى التخرج وهو ينتظر أن يبدأ مرحلة جديدة تؤهله لممارسة واحدة من أكثر المهن ارتباطًا بحياة الإنسان وسلامته. لكن بدلًا من أن تكون سنة الامتياز جسرًا حقيقيًا بين التعليم والممارسة، يجد بعض الأطباء أنفسهم أمام واقع مختلف، عنوانه البصمة والمواصلات والانتظار، بينما يبقى السؤال الأهم: أين التدريب الطبي الحقيقي؟

سنة الامتياز ليست مجرد فترة زمنية يقضيها الطبيب داخل المستشفى، وإنما مرحلة أساسية في بناء شخصيته المهنية واكتساب المهارات السريرية والثقة اللازمة للتعامل مع المرضى. ولذلك فإن معيار نجاحها يجب ألا يكون عدد أيام الحضور، وإنما ما اكتسبه الطبيب خلالها من خبرات ومهارات وقدرة على التعامل الآمن مع الحالات المختلفة.

المشكلة ليست في التدريب، وإنما في طريقة تنظيمه وإدارته. فالطبيب حديث التخرج يحتاج إلى تدريب مكثف ومنظم، تحت إشراف أطباء أكثر خبرة، مع أهداف واضحة وتقييم مستمر، حتى ينتقل من مرحلة الدراسة إلى الممارسة بصورة آمنة ومدروسة.

ومن هنا، فإن إعادة النظر في منظومة الامتياز أصبحت ضرورة، من خلال الانتقال من التدريب القائم على المدة إلى التدريب القائم على الكفاءة. ويجب أن يكون هناك برنامج موحد يحدد المهارات التي ينبغي للطبيب إتقانها في الباطنة والجراحة والأطفال والنساء والتوليد والطوارئ والرعاية الأولية، إلى جانب الإنعاش ومكافحة العدوى وسلامة المرضى وأخلاقيات المهنة والتواصل الطبي.

كما يجب أن يكون لكل طبيب متدرب مشرف حقيقي يتابع أداءه ويصحح أخطاءه ويقدم له التوجيه والتغذية الراجعة، مع سجل واضح للمهارات والإجراءات التي أنجزها، وتقييم عملي مستمر.

أما «البصمة»، فهي وسيلة لإثبات الحضور وليست مقياسًا للكفاءة. فالمطلوب ليس طبيبًا يستطيع إثبات أنه حضر، وإنما طبيب يستطيع إثبات أنه تعلم وأتقن وأصبح قادرًا على تحمل مسؤولية المريض.

ولا يمكن تجاهل الأعباء التي يتحملها الطبيب خلال هذه المرحلة، من مواصلات وطعام وإقامة، خاصة عند توزيعه على مستشفيات بعيدة عن محل إقامته. لذلك يجب توفير حقوق واضحة، ومقابل مالي عادل أو دعم مناسب، وتنظيم لساعات العمل وبدل انتقال عند الحاجة.

ويمكن لإعادة تصميم منظومة الامتياز أن تحقق فائدة مزدوجة؛ فتدعم الطبيب من ناحية، وتساعد المنظومة الصحية في مواجهة نقص القوى البشرية من ناحية أخرى، بشرط ألا يتحول الطبيب المتدرب إلى مجرد وسيلة لسد العجز، وإنما يحصل على تدريب وإشراف حقيقيين.

إن إصلاح سنة الامتياز ليس مطلبًا يخص الأطباء وحدهم، بل هو جزء من إصلاح منظومة الرعاية الصحية نفسها. فإذا أردنا طبيبًا أفضل، علينا أن نوفر له تدريبًا أفضل، وإذا أردنا رعاية صحية أكثر أمانًا، فعلينا أن نبدأ من طريقة إعداد الطبيب.

المطلوب ليس إلغاء التدريب، وإنما إعادة تعريفه؛ من البصمة إلى التقييم، ومن الحضور إلى التعلم، ومن المواصلات والتكليفات الروتينية إلى الخبرة السريرية المنظمة.

فالطبيب حديث التخرج ليس رقمًا في كشف الحضور والانصراف، وإنما هو مشروع طبيب مسؤول عن حياة الإنسان.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل أكمل الطبيب مدة الامتياز؟ وإنما: هل خرج من هذه المرحلة طبيبًا مؤهلًا وآمنًا وقادرًا على تقديم رعاية طبية حقيقية للمريض

إبراهيم عمران يكتب سنة الامتياز.. من البصمة لصناعة طبيب حقيقي ⇧