الأربعاء 16 سبتمبر 2026 01:13 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

ثمانية أصوات فقط.. من منحكم حق إسقاط الرجل؟!

نيره الجيار
نيره الجيار

بقلم: نيره الجيار

هناك فرق كبير بين أن تخسر انتخابات، وبين أن يحاول البعض تحويل خسارتك الانتخابية إلى حكم بالإعدام السياسي.

هذا الفارق يبدو غائباً تماماً عن الخطاب الذي خرج مؤخراً تحت مسمى "هيئة جيل المستقبل" بحزب الوفد، حين جرى اختزال الدكتور هاني سري الدين في وصف "المرشح الخاسر"، وكأن نتيجة انتخابات رئاسة الحزب أصبحت شهادة تحدد قيمة الرجل ومكانته وحقه في الكلام.

دعونا نعود إلى الصندوق أولاً

الدكتور هاني سري الدين خسر أمام الدكتور السيد البدوي في انتخابات رئاسة حزب الوفد، نعم، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد.

لكن الحقيقة التي لا يجب دفنها تحت عناوين البيانات، هي أن الفارق كان ثمانية أصوات فقط.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف تتحول منافسة انتخابية بهذا الفارق الضئيل إلى محاولة لتقديم أحد أطرافها باعتباره "خاسراً" بالمعنى السياسي المطلق؟

الصندوق يحسم الفائز في الانتخابات، لكنه لا يمنح الفائز حق مصادرة تاريخ منافسه، ولا يمنح أنصاره حق اختزال تجربته السياسية والعلمية والمهنية في نتيجة انتخابية عابرة.

الديمقراطية لا تعني أن الفائز يتحدث والخاسر يصمت، الديمقراطية تعني أن الصندوق يحسم المسؤولية، بينما يظل حق الاختلاف والنقد والمراجعة والمساءلة قائماً ومكفولاً للجميع.

وإذا كان البعض يرفع شعار مواجهة "ديكتاتورية الأقلية"، فالأجدر به أن يتذكر أن الديمقراطية ليست ديكتاتورية الأغلبية أيضاً. فالأغلبية التي تفوز بفارق ثمانية أصوات تملك حق إدارة المؤسسة وفق القواعد، لكنها لا تملك حق إلغاء الطرف الآخر أو تحويله إلى خصم ممنوع من إبداء الرأي.

والأمر الأكثر أهمية، أن البيانات السياسية لا يمكن أن تكون بديلاً عن المؤسسات.

وعندما تتحدث جهة تحمل اسم "هيئة جيل المستقبل" عن الديمقراطية واللوائح والمسار المؤسسي، يصبح من الطبيعي أن يسألها الوفديون سؤالاً بسيطاً ومباشراً:

ما هو السند اللائحي لإنشاء هذه الهيئة؟ وهل نصت لائحة حزب الوفد عليها وحددت اختصاصاتها وطريقة تشكيلها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين النص؟

أما إذا لم يكن هناك نص لائحي، فكيف تحولت إلى جهة تتحدث باسم الحزب وتصدر بيانات سياسية وتمنح نفسها سلطة تقييم الآخرين؟

هذا ليس سؤالاً شخصياً، ولا هجوماً على أعضاء الهيئة، إنه سؤال مؤسسي بحت، ومن يطالب الآخرين باحترام مؤسسات الحزب ولائحته، يجب أن يكون أول من يجيب عن علاقته هو بهذه اللائحة.

أما الدكتور هاني سري الدين، فليس من حق أحد أن يطالبه بالصمت لمجرد أنه لم يفز في انتخابات رئاسة الحزب. قد يخسر السياسي انتخابات، لكنه لا يخسر حقه في أن يقول "لا". وقد يخسر مرشح بفارق أصوات قليلة، لكنه لا يخسر حقه في أن يسأل عن اللائحة، أو عن تشكيل اللجان، أو عن أداء القيادة، أو عن مستقبل الحزب.

والوفد تحديداً ليس حزباً وُلد من ثقافة الصمت. تاريخ الوفد قائم على المعارضة، وعلى تعدد الرؤى، وعلى الجدل السياسي، وعلى وجود أصوات تختلف ثم تجتمع في النهاية تحت مظلة المؤسسة.

لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للحزب ليس أن يختلف أعضاؤه، وإنما أن يصبح الاختلاف نفسه تهمة. أن يصبح من خسر بفارق ضئيل "خاسراً" إلى الأبد، وأن يصبح من يعترض "أقلية"، وأن تصبح البيانات وسيلة لإسكات النقاش بدلاً من أن تكون مدخلاً إليه.

إن استخدام عبارة "المرشح الخاسر" بهذه الطريقة لا يقلل من هاني سري الدين بقدر ما يكشف فقر الحجة إذا لم يصاحبه رد موضوعي على ما يطرحه. فالسياسة لا تُدار بالألقاب، والخلاف لا يُحسم بالسخرية من النتيجة، والحجة لا تُهزم بتذكير صاحبها بأنه خسر.

ثمانية أصوات تحسم انتخابات، لكنها لا تحسم قيمة رجل.

ومن أراد الرد على هاني سري الدين، فليختلف معه في الأفكار، وليقدم الأرقام والوثائق والنصوص، وليضع أمام الوفديين حجته كاملة. أما تحويل نتيجة انتخابية متقاربة إلى سلاح لإسقاط المنافس سياسياً، فهو أمر لا يليق بحزب بحجم وتاريخ الوفد.

وفي النهاية، لا يحتاج الوفد إلى المزيد من معارك الألقاب، بل يحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: لائحة تُحترم، ومؤسسات تُحترم، ومعارضة تُحترم، وخلاف سياسي لا يتحول إلى خصومة شخصية،أما سؤال "من هو الخاسر؟" فقد أجاب عنه الصندوق منذ سنوات. والسؤال الذي ما زال مطروحاً حتى اليوم هو: من يستطيع أن يواجه النقد بالحجة بدلاً من الهروب إلى لقب "الخاسر"؟

ثمانية أصوات فقط.. من منحكم حق إسقاط الرجل