الإثنين 31 أغسطس 2026 05:29 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

التعليم الخاص والدولي.. شركاء أساسيون ولكن!

النهار نيوز

بقلم / ا.د. عيد عبدالواحد علي درويش .. عميد كليتي التربية والتربية للطفولة ورئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بمصر سابقا

  • حين يصبح التفوق العلمي أقوى من القدرة المالية.. هل نضمن للفقراء المتميزين حقهم في تعليم يليق بقدراتهم؟

ليس من الإنصاف أن ننظر إلى التعليم الخاص والدولي باعتبارهما خصمًا للتعليم الحكومي، كما أنه ليس من الحكمة أن نضعهما خارج منظومة المسؤولية الوطنية عن بناء الإنسان.

فالتعليم الخاص والدولي أصبحا، بحكم الواقع، شريكين أساسيين في المنظومة التعليمية، يقدمان نماذج متنوعة من المدارس والبرامج والمناهج، ويستجيبان بدرجات مختلفة لمتطلبات سوق العمل العالمي، ويمنحان قطاعًا من الطلاب فرصًا تعليمية متقدمة.

لكن الشراكة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد المدارس، ولا بحجم الاستثمارات، ولا بمستوى التجهيزات، ولا بالقدرة على دفع المصروفات؛ وإنما تُقاس أيضًا بمدى قدرة هذه المؤسسات على أن تجعل التميز العلمي معيارًا للفرصة، وليس القدرة المالية معيارًا وحيدًا لها.

وهنا تبدأ القضية التي تستحق أن نفتح حولها حوارًا مجتمعيًا صريحًا.

التعليم ليس سلعة فقط.. بل حق وفرصة وعدالة

لا أحد يعترض على أن التعليم الخاص استثمار، وأن المدرسة الدولية تحتاج إلى موارد كبيرة، وأن جودة التعليم لها تكلفة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الطالب المتميز علميًا، القادم من أسرة محدودة الدخل، أمام جدار مالي يمنعه من الوصول إلى فرصة تعليمية تتناسب مع قدراته.

فالطالب الذي حصل على أعلى الدرجات، وأثبت تفوقًا استثنائيًا في العلوم أو الرياضيات أو اللغات أو التكنولوجيا، لا ينبغي أن تكون حدود أحلامه مرهونة فقط بدخل أسرته.

الفقر لا ينبغي أن يكون عقوبة على التفوق.

وإذا كانت المجتمعات الحديثة تتحدث عن تكافؤ الفرص، فإن الاختبار الحقيقي لهذا المبدأ لا يكون مع الطالب القادر ماليًا، وإنما مع الطالب الذي يمتلك الموهبة ولا يمتلك ثمنها.

ماذا تفعل النماذج العالمية الناجحة؟

في سنغافورة، على سبيل المثال، توجد آليات واضحة لدعم الطلاب المتفوقين من الأسر منخفضة الدخل في المدارس المستقلة؛ إذ تتيح وزارة التعليم برنامج UPLIFT Scholarship للطلاب الذين يجمعون بين التفوق الأكاديمي أو التميز في مجالات محددة وبين انخفاض دخل الأسرة، مع ربط الدعم بمنظومة المساعدات المالية المدرسية. (scgs.moe.edu.sg)

والفكرة هنا جديرة بالتأمل:

الدولة لا تقول للطالب الفقير: اذهب إلى التعليم الأقل تكلفة؛ بل تحاول أن تجعل التفوق نفسه جواز مرور إلى فرصة تعليمية أفضل.

وهذا فارق كبير بين نظام يرى المنحة “مساعدة”، ونظام يرى المنحة أداة لتحقيق العدالة التعليمية.

وفي السياق السنغافوري أيضًا، تشير الدراسات الحديثة إلى أهمية الشراكات بين الدولة والمدارس والمنظمات المجتمعية في دعم الطلاب الأقل حظًا، مع التأكيد على أن الشراكة الناجحة ينبغي ألا تكتفي بمعالجة نتائج الفقر، بل أن تتجه إلى بناء منظومة أكثر عدالة واستدامة. (Frontiers)

والنموذج العربي ليس بعيدًا

في الأردن، نجد نماذج عملية داخل عدد من المدارس الخاصة والدولية؛ فعلى سبيل المثال، تعلن المدارس الأردنية الدولية عن منح للطلاب المتفوقين في البرامج الوطنية والدولية، كما تقدم دعمًا ماليًا وخصومات دراسية للمتفوقين. (jis.edu.jo)

وتقدم المدارس المستقلة الدولية برامج منح تقوم على معايير معلنة، تشمل التفوق الأكاديمي والسلوكي والاختبارات والمقابلات، مع تحديد شروط واضحة للاستمرار في المنحة. (iis.edu.jo)

كما توجد مدارس أردنية أخرى تربط الحوافز والخصومات بمؤشرات أكاديمية محددة، بما يجعل الطالب يعرف مسبقًا: ما المطلوب منه؟ وكيف يحصل على المنحة؟ وما الشروط التي تضمن استمرارها؟ (مدارس أكاديمية الرواد الدولية)

قد نختلف مع بعض تفاصيل هذه النماذج، لكننا لا نستطيع تجاهل درس أساسي فيها:

الشفافية في معايير المنح تصنع الثقة.

وماذا عن مصر؟

مصر ليست بعيدة تمامًا عن هذه الفكرة، وهناك بالفعل مبادرات ومنح تستهدف الطلاب المتفوقين من محدودي الدخل.

ففي أغسطس 2026، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بالتعاون مع البنك المركزي المصري، فتح التقدم لمنحة «علماء المستقبل» للطلاب المتفوقين بالثانوية العامة من المستفيدين من «تكافل وكرامة» أو المعفيين من المصروفات الدراسية، للالتحاق بالجامعات الأهلية المشاركة في تخصصات علمية تحتاجها الدولة. (SIS)

كما سبق أن أُطلقت منح تعليمية تستهدف الطلاب من الأسر الأكثر احتياجًا، مع إعطاء الأولوية لأبناء المحافظات الأكثر فقرًا، والمستفيدين من «تكافل وكرامة»، وأبناء دور الرعاية والأسر محدودة الدخل. (CNU)

وهذه خطوات مهمة ينبغي دعمها وتطويرها.

لكن القضية أكبر من وجود منح متفرقة.

القضية هي: هل أصبح لدينا نظام متكامل، واضح، ومستدام يضمن للطالب الفقير المتفوق أن يعرف أين يذهب؟ وكيف يتقدم؟ وما المعايير؟ ومن يراجع القرار؟ وكيف يتظلم إذا شعر أنه تعرض لعدم إنصاف؟

هنا تحديدًا توجد مساحة كبيرة للتحسين.

أزمة الثقة تبدأ عندما لا يعرف المواطن لماذا قُبل هذا ورفض ذاك

المواطن لا يطلب المستحيل.

هو يريد أن يعرف:

لماذا حصل طالب على منحة ولم يحصل عليها آخر؟

هل الأولوية للدرجات فقط؟

أم للدرجات مع الحالة الاجتماعية؟

هل هناك نسبة محددة من المقاعد للمتفوقين غير القادرين؟

هل هناك لجنة مستقلة؟

هل توجد معايير منشورة قبل التقديم؟

هل تعلن النتائج بصورة تتيح التحقق من سلامة الإجراءات؟

وهل توجد آلية حقيقية للتظلم؟

عندما تكون الإجابات غير واضحة، فإن المشكلة لا تصبح مشكلة منحة فقط، وإنما تتحول إلى أزمة ثقة في المؤسسة التعليمية.

والأخطر من ذلك أن الطالب وأسرته قد يصلان إلى قناعة مؤلمة مفادها أن “الواسطة أقوى من الاستحقاق”، أو أن “المال أقوى من التفوق”.

وهذه القناعة، حتى لو كانت خاطئة في بعض الحالات، تصبح خطيرة جدًا إذا لم تواجهها المؤسسات بالشفافية والبيانات والأدلة.

المدرسة الخاصة ليست جزيرة منفصلة عن المجتمع

من الخطأ أن نقول إن المدرسة الخاصة تؤدي دورها بمجرد أن تقدم خدمة تعليمية لمن يستطيع دفع تكلفتها.

المدرسة مؤسسة تربوية قبل أن تكون اقتصادية.

وكل مؤسسة تعليمية ناجحة يجب أن تسأل نفسها:

كم طالبًا متفوقًا لم نستطع الوصول إليه لأنه فقير؟

هذا السؤال قد يكون أكثر أهمية من السؤال التقليدي:

كم طالبًا التحق بمدرستنا هذا العام؟

فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى تعليم الأغنياء.

المجتمع يحتاج إلى اكتشاف عقول الفقراء أيضًا.

وربما يكون بين أبناء الأسرة محدودة الدخل عالم المستقبل، أو الطبيب، أو المهندس، أو الباحث، أو المبرمج، أو المعلم الذي سيغير حياة آلاف الطلاب.

المشكلة ليست في التعليم الخاص.. وإنما في غياب التوازن

من الضروري هنا أن نكون منصفين.

ليس الهدف شيطنة التعليم الخاص أو الدولي، وليس المطلوب إلغاء الفروق بين المؤسسات التعليمية.

بل على العكس، إن وجود تعليم خاص قوي وناجح يمكن أن يكون عنصرًا داعمًا للتنمية، ويوفر نماذج للتطوير والابتكار والمنافسة.

لكن المطلوب هو توازن عادل بين حق المؤسسة في الاستدامة المالية وحق المجتمع في العدالة التعليمية.

وهذا التوازن يمكن أن يتحقق من خلال منح دراسية حقيقية، وصناديق لدعم المتفوقين، وشراكات مع الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وآليات واضحة لاختيار الطلاب المستحقين.

منحة بلا شفافية.. قد تفقد قيمتها

المنحة ليست مجرد إعفاء من المصروفات.

المنحة رسالة.

رسالتها للطالب تقول:

نحن نرى تفوقك.

نحن نؤمن بقدرتك.

نحن لا نريد أن يكون الفقر نهاية حلمك.

لكن هذه الرسالة تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها إذا كانت معايير الحصول عليها غامضة، أو إذا لم تكن المعلومات متاحة لجميع الطلاب، أو إذا غابت آليات المراجعة والتظلم.

ولهذا فإن شفافية المنح لا تقل أهمية عن قيمة المنحة نفسها.

نحو ميثاق جديد للثقة التعليمية

إن إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات التعليمية لا تحتاج إلى شعارات، وإنما إلى إجراءات واضحة يمكن قياسها.

وأقترح في هذا السياق عددًا من المبادئ:

أولًا: إعلان معايير المنح قبل بدء التقديم

يجب أن يعرف الطالب والأسرة منذ البداية شروط الحصول على المنحة، ومعايير المفاضلة، وأوزان الدرجات، والدخل، والاختبارات، والمقابلات.

ثانيًا: إنشاء نسبة معلنة للمتفوقين غير القادرين

بحيث تلتزم المؤسسات التعليمية بنسبة محددة من منحها السنوية للطلاب المتفوقين الذين تحول ظروفهم الاقتصادية دون الالتحاق بها.

ثالثًا: إنشاء لجنة مستقلة للمنح

تضم متخصصين تربويين وماليين وقانونيين، وتعمل وفق قواعد معلنة، وليس وفق قرارات فردية غير قابلة للمراجعة.

رابعًا: نشر تقرير سنوي للمنح

يتضمن عدد المتقدمين، وعدد المقبولين، ونسب التفوق، والفئات الاجتماعية المستفيدة، ونسب الاستمرار، دون المساس بالخصوصية الشخصية للطلاب.

خامسًا: إنشاء نظام إلكتروني موحد للمنح

يسمح للطالب بالتقديم ومتابعة موقفه ومعرفة مراحل دراسة طلبه، ويحد من التدخلات الشخصية ويعزز تكافؤ الفرص.

سادسًا: توفير حق التظلم

لا يمكن أن نتحدث عن عدالة تعليمية من دون وجود قناة واضحة وسريعة للطعن في القرارات.

سابعًا: ربط الدعم بالتفوق والاستحقاق معًا

فالعدالة ليست أن نعطي المنحة للأفقر فقط، ولا للأعلى درجات فقط؛ وإنما أن نصمم نظامًا يوازن بين التفوق العلمي والحاجة الاجتماعية.

ثامنًا: بناء شراكة حقيقية بين الدولة والتعليم الخاص والدولي

الدولة تضع الإطار والمعايير والرقابة، والمؤسسات التعليمية تقدم الخبرة والموارد، والقطاع الخاص والمجتمع المدني يساهمان في التمويل، والنتيجة طالب متفوق يحصل على فرصة عادلة.

وأخيرًا.. الثقة أغلى من المصروفات

إن التعليم الخاص والدولي ليسا خصمين للتعليم العام، بل يمكن أن يكونا شريكين أساسيين في بناء مستقبل مصر إذا تحولت المنافسة بين المؤسسات إلى منافسة في الجودة، وتحولت المنح من مبادرات محدودة إلى حق تنظمه معايير شفافة، وتحول التفوق العلمي إلى قيمة اجتماعية لا يستطيع الفقر أن يهزمها.

إن المواطن لا يريد أن يرى مؤسسة تعليمية مثالية في دعايتها فقط؛ بل يريد أن يرى العدالة داخل قراراتها.

والطالب الفقير المتفوق لا يحتاج إلى شفقة.

إنه يحتاج إلى فرصة.

والفرق بين الشفقة والفرصة أن الشفقة تمنح لحظة عابرة، أما الفرصة فتبني إنسانًا ومستقبلًا.

ومن هنا، فإن إعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات التعليمية تبدأ عندما يشعر كل أب وأم أن أبناءهم، مهما كانت إمكاناتهم الاقتصادية، يمكن أن يصلوا إلى الفرصة التي يستحقونها إذا امتلكوا العلم والتميز والإرادة.

فحين تصبح القاعدة:

«التفوق يُكتشف، والاستحقاق يُقاس، والفرصة تُتاح، والقرار يُراجع، والنتيجة تُعلن بشفافية»

عندها فقط يمكن أن نقول إن التعليم الخاص والدولي لم يعودا مجرد شركاء في تقديم الخدمة التعليمية، وإنما أصبحا شركاء حقيقيين في تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء الإنسان المصري.

فمصر لا تستطيع أن تتحمل أن تخسر عقلًا موهوبًا لأن صاحبه فقير.

والدولة التي تبحث عن مستقبل أفضل، يجب ألا تسأل فقط: من يستطيع أن يدفع؟ بل يجب أن تسأل أولًا: من يستطيع أن يصنع المستقبل؟

التعليم الخاص والدولي.. شركاء أساسيون ولكن!