الأحد 30 أغسطس 2026 01:01 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

التعفن الدماغي.. عندما يتحول الإنترنت من نافذة للمعرفة إلى عبء على العقل

النهار نيوز

بقلم الدكتورة إيمان سعد

هل سمعت من قبل عن مصطلح «التعفن الدماغي»؟ وهل المقصود به تعفن حقيقي يصيب الدماغ، أم أنه تعبير مجازي يصف حالة ذهنية وفكرية بدأت تفرض نفسها على الإنسان في عصر الشاشات والمحتوى السريع؟

الحقيقة أن «التعفن الدماغي» ليس مرضًا عضويًا، وإنما تعبير مجازي يُستخدم لوصف التدهور المفترض في الحالة الذهنية أو الفكرية للإنسان نتيجة الإفراط في استهلاك محتوى الإنترنت التافه، والسطحي، والمتكرر، وغير المحفز للعقل. وقد اختارت دار نشر جامعة أكسفورد هذا التعبير «كلمة العام» لعام 2024، في إشارة واضحة إلى حجم الظاهرة وانتشارها في الحياة اليومية.

ولعل أخطر ما في «التعفن الدماغي» أنه لا يأتي بصورة مفاجئة، وإنما يتسلل تدريجيًا إلى عاداتنا اليومية؛ يبدأ بدقائق قليلة من مشاهدة مقطع قصير، ثم يتحول إلى ساعات من التمرير اللانهائي بين مقاطع ومنشورات لا تترك في العقل معرفة حقيقية أو قيمة مضافة.

وتأتي المشاهدة المفرطة للفيديوهات القصيرة عبر منصات مثل تيك توك وإنستغرام وغيرها في مقدمة الأسباب، خصوصًا عندما تصبح وسيلة الترفيه الأساسية التي يلجأ إليها الإنسان في كل لحظة فراغ. ومع التمرير المستمر، ينتقل العقل من محتوى إلى آخر دون فرصة للتأمل أو التحليل أو بناء فكرة متكاملة.

وهناك أيضًا ما يمكن أن نطلق عليه التدفق المعلوماتي؛ فالعقل يستقبل يوميًا كميات هائلة من الصور والأخبار والآراء والبيانات، بعضها متناقض وبعضها مضلل، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من الإرهاق الذهني والتشوش، خاصة عندما يغيب الاختيار الواعي للمحتوى.

ومن أبرز الآثار التي قد ترتبط بهذا النمط من الاستهلاك الرقمي ضعف التركيز وقصر مدة الانتباه، وصعوبة الاستمرار في قراءة كتاب أو إنجاز مهمة تحتاج إلى وقت وصبر. وقد يشعر البعض كذلك بما يسمى «الضبابية الذهنية»، أي التشوش وصعوبة استحضار بعض التفاصيل البسيطة.

والأكثر خطورة هو تراجع التفكير النقدي؛ فالعقل الذي يعتاد استقبال المعلومات السريعة دون فحص أو مقارنة قد يصبح أكثر قابلية لتصديق الأخبار المضللة والأفكار السطحية. كما يمكن أن يتشكل نوع من «الكسل الفكري»، حيث تصبح الحلول الجاهزة والاختصارات الرقمية أكثر جاذبية من البحث والتفكير والتحليل.

لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تعني الانعزال عن التكنولوجيا، وإنما تعني استعادة التوازن. وهنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته «الصيام الرقمي»، من خلال تقليل ساعات استخدام الهاتف، وإبعاد الشاشات قبل النوم وبعد الاستيقاظ مباشرة، وتخصيص أوقات يومية بلا هاتف.

كما يحتاج العقل إلى غذاء حقيقي، تمامًا كما يحتاج الجسد إلى غذاء صحي. ولذلك تظل القراءة العميقة، خاصة الكتب الورقية، وسيلة مهمة لاستعادة القدرة على التركيز والصبر الفكري. ويمكن أيضًا ممارسة الكلمات المتقاطعة، وتعلم مهارات جديدة، والعودة إلى ألعاب تحتاج إلى التفكير والتخطيط مثل الشطرنج.

ولا يمكن إغفال أهمية النوم السليم والرياضة، فالعقل المرهق لا يستطيع أن يعمل بكفاءة مهما كان حجم المعلومات التي يتلقاها.

في النهاية، المشكلة ليست في الإنترنت، ولا في الهاتف، ولا في الفيديوهات القصيرة باعتبارها أدوات، وإنما في تحول الأداة إلى عادة تستهلك عقولنا دون أن نشعر. فالعقل الذي لا نمنحه فرصة للتفكير، والقراءة، والتأمل، والصمت، قد يفقد تدريجيًا قدرته على القيام بأهم وظائفه: أن يسأل، ويحلل، ويفهم، ويختار.

وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كل يوم: هل نحن نستخدم التكنولوجيا، أم أن التكنولوجيا أصبحت تستخدم وقتنا وعقولنا؟

التعفن الدماغي.. عندما يتحول الإنترنت من نافذة للمعرفة إلى عبء على العقل