الأربعاء 26 أغسطس 2026 04:14 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

أحمد قنديل يكتب: إذا كان الأنصار احْتَفَوْا بقدومه ﷺ إلى المدينة فكيف لا نحتفي نحن بقدومه إلى الدنيا؟

النهار نيوز
شهد التاريخ البشري منعطفات عظيمة غيّرت مجرى الحضارة، لكن حدثاً واحداً فاق كل ما قبله وما بعده جلالاً وضياءً؛ إنه ميلاد النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان إيذاناً بانبثاق فجر الهداية وتبدد ظلمات الجاهلية. وإذا كان التاريخ قد سجل بمداد من نور تلك الفرحة الغامرة التي ملأت قلوب أهل المدينة المنورة يوم هجرته إليهم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بكل عفوية ومحبة: إذا كان الأنصار قد احتفوا بقدومه ﷺ إلى المدينة، فكيف لا نحتفي نحن بقدومه إلى الدنيا بأسرها؟
https://www.alnahar.news/67886
إن ملامح احتفاء أهل المدينة بقدوم النبي المصطفى ﷺ تمثل لوحة إنسانية وإيمانية نادرة الاستثناء. فقد خرج الرجال والنساء والولدان يستقبلون الرحمة المهداة بقلوب تفيض بشراً ومحبة، وانطلقت حناجرهم تنشد الأغنية الخالدة التي تناقلتها الأجيال: "طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع". لقد رأى الرسول الكريمﷺ هذا الاحتفاء، وسمع تلك الأناشيد تصدح في أرجاء طيبة الطيبة، وأقرهم على ذلك ولم يقل لهم لا تفعلوا، بل قبل فرحتهم بابتسامته الشريفة، مما يعد إقراراً نبوياً صريحاً بمشروعية التعبير عن الفرح والسرور بوجوده الشريف بين ظهرانيهم.
وانطلاقاً من هذا التأصيل، فإن الإحتفاء بذكرى ميلاد النبيﷺ يعد أمراً جائزاً ومستحباً والله أعلم بالصواب إذا تم بالطرق الشرعية التي ترضي الله ورسوله. فالغاية من هذا الإحياء هي شكر الله تعالى على نعمة الهداية وإرسال النبي الخاتم. ويكون هذا الإحتفاء الأرقى عبر تدارس سيرته العطرة، وتكثيف الصلاة والسلام عليه، وإطعام الطعام، ومواساة الفقراء والمساكين، واستلهام الدروس والعبر من مواقفه الإنسانية والقيادية لترسيخها في نفوس الأجيال الناشئة.
وعلى الجانب الآخر، يجب الحذر من بعض المظاهر الخاطئة التي يقع فيها بعض المحتفين، والتي تخرج بهذه المناسبة العظيمة عن سياقها الشرعي والأخلاقي. فالمغالاة التي تصل إلى حد الابتداع في الدين، أو اختلاط الرجال بالنساء على وجه غير مشروع، أو إقامة مجالس اللهو التي تصاحبها منكرات وأفعال تغضب الله، كلها سلوكيات تتنافى تماماً مع جلال الذكرى وسنة صاحبها الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق. إن الإحتفاء الحقيقي لا يكون بمعصية صاحب الذكرى، بل بتعظيم جنابه الشريف واتباع هدي النبوة.
تكمن الحكمة الأساسية من احتفاء المسلمين بهذه المناسبة في تجديد العهد مع الرسول الأكرم، وإحياء محبته في القلوب، وتذكير الأمة بهويتها ورسالتها العالمية. فالأيام تمر والنفوس قد تصيبها الغفلة، وتأتي هذه الذكرى السنوية لتكون محطة إيمانية يتزود منها المسلم بالقيم والوعي، ويعمق ارتباطه الروحي بالمنهج النبوي الشريف في عالم يموج بالفتن والتحديات.
أما عن قول السلف وأهل الفقه والفتوى في هذا الموضوع، فقد تباينت الأنظار الفقهية في التكييف الشرعي، لكنها التقت في النهاية عند تعظيم الجناب النبوي. فقد ذهب فريق من العلماء والمحققين — ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني والحافظ السيوطي — إلى استحباب إحياء هذه الذكرى باعتبارها "بدعة حسنة" أو سنة حسنة يُثاب فاعلها، مستدلين بأصل مشروعية شكر الله على النعم في أيام مخصوصة. وفي المقابل، شدد فريق آخر من العلماء على الالتزام بما ورد عن القرون المفضلة منعاً لفتح أبواب الابتداع، مع اتفاق الجميع على أن جوهر الأمر وعماده هو المحبة الصادقة التي تترجمها الطاعة المطلقة والاتباع الكامل لسنته ﷺ
إن ميلاد الحبيب المصطفى هو ميلاد أمة، وبزوغ نور للبشرية جمعاء، وحق لقلوب المؤمنين أن تهتز طرباً وفرحاً بهذه النعمة العظمى، شريطة أن يكون هذا الفرح ناصعاً بنور الشريعة، منضبطاً بحدود الطهر والتقوى، معبراً عن صدق الاتباع وعمق الوفاء لرسول الإنسانية والسلام.
لم يترك علماء الأمة ومحقّقوها مسألة الاحتفاء بالمولد النبوي مرسَلة دون تأصيل شرعي؛ بل اجتهد كبار جهابذة الفقه والحديث في استنباط الأدلة التي تمنح هذا السلوك صبغته المشروعة، متى ما خلا من المخالفات.
أولاً: تأصيل الحافظ ابن حجر العسقلاني (صاحب فتح الباري)
يُعد الحافظ ابن حجر العسقلاني من أوائل من استنبطوا أصلاً صحيحاً للإحتفاء بالمولد من السنة النبوية المشرفة. فقد سُئل عن المولد فأجاب بنصٍّ نقله عنه تلميذه السيوطي، جاء فيه:
"أصلُ عملِ المولدِ بدعةٌ لم تُنْقَل عن أحدٍ من السلفِ الصالحِ من القرونِ الثلاثةِ، ولكنها مع ذلك قد اشتملتْ على محاسنَ وضدِّها، فمَنْ تحرَّى في عملِها المحاسنَ وتجنَّبَ ضدَّها كان بدعةً حسنةً وإلا فلا. وقد ظهر لي استنباطُها من أصلٍ ثابتٍ، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي ﷺ قَدِمَ المدينةَ فوجدَ اليهودَ يصومون يومَ عاشوراءَ، فسألهم فقالوا: هو يومٌ أغرقَ اللهُ فيه فرعون ونجَّى موسى، فنحن نصومُه شكراً لله تعالى. فيُستفادُ منه شكرُ الله على ما منَّ به في يومٍ معينٍ من إسداءِ نعمةٍ أو دفعِ نقمةٍ، ويُعادُ ذلك في نظيرِ ذلك اليومِ من كلِّ سنةٍ، والشكرُ لله يحصلُ بأنواعِ العبادةِ كالسجودِ والصيامِ والصدقةِ والتلاوةِ، وأيُّ نعمةٍ أعظمُ من النعمةِ ببروزِ هذا النبيِّ نبيِّ الرحمةِ في ذلك اليومِ؟"
ثانياً: تأصيل الحافظ جلال الدين السيوطي
أفرد الإمام السيوطي رسالة كاملة في هذه المسألة أسماها "حُسن المقصد في عمل المولد"، وقد أصَّل فيها للمسألة بوضوح وجلاء، ومما قاله في نصّه الفقهي:
"عندي أن أصلَ عملِ المولدِ الذي هو اجتماعُ الناسِ وقراءةُ ما تيسَّرَ من القرآنِ وروايةُ الأخبارِ الواردةِ في مبدأ أمرِ النبيِّ ﷺ وما وقعَ في مولدِه من الآياتِ، ثم يُمدُّ لهم سماطٌ [طعام] يأكلونَه وينصرفون من غيرِ زيادةٍ على ذلك؛ هو من البدعِ الحسنةِ التي يُثابُ عليها صاحبُها؛ لما فيه من تعظيمِ قدرِ النبيِّ ﷺ وإظهارِ الفرحِ والاستبشارِ بمولدِه الشريفِ".
كما أيد السيوطي استنباط شيخه ابن حجر، وزاد عليه استنباطاً آخر من السنة، مستدلاً بما أخرجه البيهقي عن أن النبي ﷺ "عقَّ عن نفسِه بعد النبوة" مع أنه قد عقَّ عنه جدُّه عبد المطلب في صغره، وعلل السيوطي ذلك بأن هذا الفعل منه ﷺ كان إظهاراً للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريعاً لأمته ليفعلوا ذلك.
أحمد قنديل الأنصار احْتَفَوْا بقدومه ﷺ المدينة قدومه إلى الدنيا ياامنه بشراك