الإثنين 27 يوليو 2026 12:59 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

أحمد قنديل يكتب:شمس البصيرة: طه حسين بالأمس ومروة اليوم في محراب الأزهر.

النهار نيوز
في غمرة الأحداث اليومية المتسارعة، تطل علينا من وقت لآخر قصص إنسانية تعيد صياغة مفهوم "المستحيل"، وتثبت أن العزيمة الصادقة قادرة على اختراق حجب الظلام لتصنع فجراً جديداً. هذه المرة، لم يكن البطل شخصية تاريخية غابرة، بل فتاة أزهرية في مقتبل العمر، تُدعى مروة محمود عبد العزيز، والتي انتزعت المركز الأول على مستوى الجمهورية (قسم الدمج بالشعبة الأدبية) في الشهادة الثانوية الأزهرية بمجموع 84.07%، لتتحول قصتها من أروقة معهد فتيات السحارة بالإسماعيلية إلى قضية رأي عام ملهمة.
لقد خاضت مروة معركة مزدوجة منذ نعومة أظفارها؛ لم تكن مجرد مواجهة مع الكتب والمناهج، بل كانت رحلة كفاح شاقة ضد المرض والتحديات الصحية المعقدة، تضمنت ثلاث جراحات دقيقة للقلب المفتوح ومضاعفات جسدية بالغة ، غير أنها لم تلتفت للمحن، واعتصمت بحفظ كتاب الله ليكون لنور بصيرتها هادياً ودليلاً.

حين نتأمل المجرى التاريخي لهذا النبوغ، نجد أنفسنا مدفوعين تلقائياً لربط هذا الحاضر المشرق بماضٍ أزهري تليد؛ فمسيرة هذه الطالبة الكفيفة تعيد إلى الأذهان سيرة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، حيث تتقاطع الخطى وتتشابه المعارك والنتائج ،كما شق طه حسين طريقه من ريف مصر، متحدياً عتمة البصر بالصبر والعزيمة، خرجت مروة من قلب التحديات الصحية لتثبت أن العجز الحقيقي هو عجز الإرادة لا عجز الجسد.
كان حفظ القرآن الكريم والمثابرة عليه هو نقطة الانطلاق الأساسية التي شكلت فصاحة طه حسين وبيانه، وهو ذاته المعين الروحي والعقلي الذي استمدت منه مروة الثبات والقوة لتنظيم وقتها والانتصار على أوجاع الجسد.
قاد طه حسين معارك الفكر وتطوير التعليم في مصر، واليوم تأتي مروة عبر "نظام الدمج" لتؤكد كفاءة هذه المنظومة وقدرة ذوي الهمم على تصدر المشهد الأكاديمي والتعليمي بكل إصرار ونجاح .
وفي غمرة هذا التميز، تجلت الرسالة الأخلاقية للأزهر الشريف في مشهد بليغ عكس التواضع والسمو الإنساني لـ فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر ورئيس مجلس حكماء المسلمين.
لم تكن تهنئة فضيلته للطالبة مجرد بروتوكول رسمي عابر، بل كانت تجسيداً حياً للأبوة الحانية وجبر الخواطر.
في مكالمة هاتفية عفوية، تخلى الإمام الأكبر عن كلفة الألقاب الرسمية الضخمة، ليبدأ حديثه مع الأسرة قائلاً: «أنا اسمي الرسمي أحمد الطيب، وشغلتي شيخ الأزهر،
وفي لفتة خطفت قلوب المتابعين. وبمجرد علمه بتفاصيل رحلتها العلاجية، سارع بالقول: «اعتبريني زي والدك.. وأي حاجة محتاجاها في مستشفى، في تعليم، إحنا جاهزين وفوراً».
هذا الدعم لم يقف عند حدود الكلمات، بل تبعه توجيه فوري بفتح جميع أبواب الأزهر أمام مروة وتسهيل مسيرتها الجامعية المقبلة لضمان استمرار نبوغها.

إن هذا النموذج الفريد يضع المجتمع بأسره أمام مسؤولياته الفكرية والوطنية؛ حيث يتوجب على مؤسسات الدولة تبني هذه الموهبة الفذة وتوفير الرعاية الطبية والأكاديمية الكاملة لها لتلتحق بكليات علوم القرآن التي تطمح إليها، لكونها ثروة بشرية جديرة بالاستثمار.
وعلى الجانب الآخر، لابد أن يبرز دور الإعلام كسلطة رابعة في صناعة القدوة وتصدير هذه الأيقونات الملهمة إلى الواجهة. إن إبراز كفاح مروة ليس مجرد مادة صحفية عاطفية، بل هو ضرورة تنموية تهدف إلى بث روح الأمل في نفوس الشباب الأصحاء ليدفعهم الخجل من التقاعس، وإعادة صياغة المفاهيم المجتمعية تجاه فئات الدمج لتحويلها من نظرة تعاطف تقليدية إلى نظرة إجلال وتقدير للكفاءة.
لقد أحرزت مروة محمود عبد العزيز المركز الأول في الشهادة الأزهرية، لكنها قبل ذلك، أحرزت صدارة مطلقة في اختبار الإرادة الإنسانية، لتبقى امتداداً حياً لجيل العظماء كالدكتور طه حسين؛ جيلٌ قهر الظلام وظل يسير بالبصيرة لا بالأبصار.

احمد قنديل يكتب شمس البصيرة طه حسين الأمس مروة اليوم محراب الأزهر.