الأحد 26 يوليو 2026 09:08 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

د محمود أبوعميرة يكتب الإيجابية: أقوى سلاح في مواجهة الحياة

النهار نيوز

.

ما أعظم الإنسان حين يجعل من الأمل شمسًا لا تغيب عن قلبه، ومن الإرادة سفينةً تكسر قيود المستحيل، ومن الإيجابية نورًا يهديه كلما تكاثفت حوله ظلمات الحياة، فالحياة ليست نهرًا هادئًا يجري بلا عوائق، وإنما هي بحرٌ متلاطم الأمواج، تعصف به رياح المحن، وتضرب شواطئه أمواج الابتلاء، ولا ينجو فيه إلا من تسلح بقوة الإيمان، وصدق العزيمة، وروعة الإيجابية.
إن الإيجابية ليست كلمةً تُقال، ولا أمنيةً تُرجى، ولا ابتسامةً عابرةً ترتسم على الشفاه، وإنما هي عقيدةٌ يعيشها القلب، ومنهجٌ يسير عليه العقل، ورسالةٌ تحملها الروح في كل لحظة من لحظات الحياة، إنها القوة التي ترفع الإنسان فوق جراحه، وتجعله يرى في كل عثرة بدايةً جديدة، وفي كل محنة بابًا إلى منحة، وفي كل ظلام وعدًا بفجرٍ يشرق من جديد.
إن الإنسان الإيجابي لا يقيس الحياة بما فقد، بل بما يستطيع أن يصنع، ولا ينظر إلى الطريق بطوله، بل ينظر إلى الخطوة التي تقوده نحو القمة، إنه يؤمن بأن الصعوبات ليست جدرانًا تسد الطريق، وإنما سلالم يرتقي عليها أصحاب الهمم العالية، وأن الفشل ليس نهاية الرحلة، بل أول درسٍ في مدرسة النجاح.
وما التاريخ إلا شاهدٌ خالد على أن العظماء لم يولدوا في قصور الراحة، ولم تصنعهم الأيام السهلة، وإنما صنعتهم الشدائد، وربتهم المحن، وزادتهم الإيجابية صلابةً وإصرارًا حتى أصبحوا مناراتٍ تهدي البشرية عبر العصور.
تأمل المخترع العظيم توماس إديسون، الذي واجه عشرات المحاولات غير الناجحة وهو يبحث عن النور، لم يسمح لليأس أن يتسلل إلى قلبه، ولم يعتبر محاولاته المتكررة هزائم، بل كان يرى في كل تجربة معرفةً جديدة تقربه من النجاح، حتى جاء اليوم الذي أضاء فيه العالم بمصباحه، فأصبح رمزًا خالدًا يؤكد أن الإيجابية ليست طريقًا إلى النجاح فحسب، بل هي النجاح نفسه.
وإذا أبحرنا في عالم الإبداع، فانظر إلى طه حسين عميد الادب العربي، الذي حُرم نعمة البصر، ولكنه لم يحرم نور البصيرة، ولم يفقد قوة الإرادة، لقد صنع من الظلام عالمًا من النور، ومن كتاباته لغةً خاطب بها العالم كله، وأثبت أن أعظم الإعاقات ليست في الجسد، وإنما في استسلام الروح.
وهكذا كانت حياة العظماء جميعًا؛ فلم تكن مفروشةً بالورود، بل كانت مليئةً بالأشواك، غير أنهم امتلكوا قلوبًا لا تعرف الانكسار، وعقولًا لا تستسلم للعجز، وأرواحًا ترى في المستحيل فرصةً لإثبات القدرة.
إن الإيجابية هي الوقود الذي يحرك الطموح، وهي الجناح الذي يحلق بالإنسان فوق قمم المستحيل، وهي اليد التي تمسح غبار الهزيمة عن وجه الكفاح، وهي النبع الذي لا ينضب مهما اشتدت حرارة الصحراء. وإذا ماتت الإيجابية في القلوب، ماتت معها الأحلام، وإذا أشرقت في النفوس، أزهرت الإنجازات وتألقت الحضارات.
لقد قامت أعظم الحضارات على أكتاف رجال ونساء آمنوا بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، وأن النجاح لا يُهدى، بل يُنتزع بالعمل والصبر والإصرار، فما من أمةٍ نهضت بالتشاؤم، ولا ازدهرت بالاستسلام، وإنما نهضت بالإيمان والعمل والإيجابية التي تحول الأفكار إلى إنجازات والطموحات إلى حقائق.
وما أجمل الإنسان حين يكون مصدرًا للأمل، يزرع التفاؤل في القلوب، وينشر النور في النفوس، ويمنح من حوله الثقة بأن الغد أجمل من اليوم، وأن بعد كل ليلٍ فجرًا، وبعد كل مطرٍ ربيعًا، وبعد كل دمعةٍ ابتسامةً يكتبها الله لعباده الصابرين.
فالإيجابية ليست تجاهلًا للألم، وإنما شجاعةٌ في مواجهته، وليست إنكارًا للصعوبات، وإنما إيمانٌ بالقدرة على تجاوزها، وليست حلمًا بعيدًا عن الواقع، وإنما رؤيةٌ تجعل الإنسان يصنع واقعًا أجمل مما كان يتخيل.
إن الأمل شجرةٌ وارفة، لا تنمو إلا في تربة الإيجابية، والإرادة نهرٌ عذب، لا يجري إلا في قلوب المؤمنين بقدرتهم على التغيير، والطموح نسرٌ شامخ، لا يحلق إلا في سماء العزيمة، فإذا اجتمعت الإيجابية مع الإرادة، والإرادة مع العمل، والعمل مع الصبر، وُلد النجاح، وأشرقت الحضارة، وخلدت الأسماء في سجل الخالدين.
تذكر دائمًا أن الشمس لا تتوقف عن الشروق لأن الليل طال، وأن الزهرة لا تمتنع عن التفتح لأن الشتاء اشتد، وأن النسر لا يبلغ أعالي السماء إلا بعد أن يواجه الرياح العاتية، وهكذا الإنسان؛ لا يبلغ المجد إلا إذا جعل من الإيجابية رفيقةً لدربه، ومن الصبر سلاحًا، ومن العمل عبادةً، ومن الأمل وطنًا يسكن قلبه.
وتبقى الإيجابية أعظم هدية يهبها الإنسان لنفسه، وأقوى سلاح يواجه به تقلبات الحياة، وأسمى قيمة تبني الأمم وتصنع الحضارات وتخلد العظماء. فهي التي تحوّل الأحلام إلى حقائق، والضعف إلى قوة، والعجز إلى إنجاز، واليأس إلى أمل، والهزيمة إلى نصر.
فاجعل من الإيجابية منهجا لحياتك، ومن الأمل نبضا لقلبك، ومن الإرادة عنوانا لأيامك، واجعل الطموح راية لمستقبلك، واعلم أن التاريخ لا يخلد أولئك الذين انتظروا الظروف المثالية، بل يخلد الذين صنعوا من أصعب الظروف أعظم الانتصارات، وكتبوا بأعمالهم صفحاتٍ من المجد لا تمحوها السنون، ولا تطويها الأيام، بل تبقى مناراتٍ مضيئةً تهدي الأجيال جيلاً بعد جيل.

ابوعميرة محمود أبوعميرة يكتب الإيجابية أقوى سلاح مواجهة الحياة