تثير عبارة "وحشتينا يا مصر" شجنًا عميقًا في نفوس كل من عاش في مصر القديمة بالوجه القبلي أو البحري ، أو قرأ عنها. إنها ليست مجرد حنين إلى شوارع قديمة أو مبانٍ عتيقة، بل هي حنين جارف إلى منظومة قيمية وأخلاقية كاملة، وإلى روح مجتمعية غنية بالدفء والتكافل الإنساني على مر السنين ، حيث تبدلت ملامحها وتغيرت تفاصيلها بين الأمس واليوم.
كانت الحياة في مصر في الماضي تتسم بالبساطة المادية، لكنها كانت زاخرة بالغنى الأخلاقي والإنساني. تضافرت العادات والتقاليد الطيبة في هذا المجتمع لتصنع مجتمعًا متماسكًا يقوم على ركائز صلبةحيث احترام الكبير وتقدير الصغير وقد كان للسن هيبته ومكانته، وكان توقير كبار السن فرضًا غير مكتوب يلتزم به الجميع، بينما يحاط الصغير بالرعاية والتقدير.
بما في ذلك إحترام الرموز الدينية حيث حظي رجال الدين بتقدير مطلق، وكانت الكلمة الطيبة والوعظ الإرشادي مرجعية أخلاقية تحكم المعاملات اليومية.
لقد كان الناس يعيشوم كعائلة واحدة، يتقاسمون الأفراح والهموم لكن الآن نرى في بعض القرى شارع بيه الطبول والأفراح ، وبجواره اخر به جنازة وحزن وهموم
أيضا في الأعياد والمناسبات الدينية، كانت الفرحة جماعية، وتتدفق التهاني الصادقة بين الجيران مسلمين وأقباطًا دون حواجز.
أما النخوة والغيرة على المظلوم فحدث ولا حرج حيث اتسم إنسان الزمن الجميل بالشهامة؛ فكان نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف واجبًا فوريًا يتحرك له الجميع تلقائيًا في أي مكان.
في ذلك الزمن أمتلك المعلم هيبة مقدسة توازي مكانة الأب. وكانت المدارس والمؤسسات التعليمية محاضن حقيقية لتربية النشء على حب الوطن، والانتماء، والأخلاق الحميدة قبل تلقين العلوم.
حتى ملابس الناس كانت تتميز بالأناقة الشديدة رغم بساطتها والقدرة المالية المحدودة، فكان المظهر الخارجي يعكس انضباطًا داخليًا ورقيًا في الذوق العام.
أما الآن نرى الحاضر وقد انتشرت به ظواهر سلبية عديدة طارئة مع تسارع وتيرة العصر والانفتاح التكنولوجي والاقتصادي، طرأت على المجتمع المصري تحولات وتغيرات أفرزت ظواهر سلبية غريبة على طبع المجتمع الأصيل، وضعت فجوة واضحة عند المقارنة بالماضي
منها ارتفاع نسب الطلاق حيث شهد المجتمع زيادة مقلقة في حالات انفصال الزوجين. وتعود الأسباب إلى الضغوط الاقتصادية، وغياب لغة الحوار، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. ويرى بعض المحللين الاجتماعيين أن القوانين الحديثة المنظمة للمرأة وحقوقها، رغم هدفها في الحماية، قد أسيء استخدام بعض بنودها في مناخ مشحون، مما ساهم أحيانًا في تسريع وتيرة الانفصال بدلاً من الاحتواء والصلح.
وأيضا تزايد حالات الانتحار التي ظهرت كظاهرة غريبة وخطيرة تعكس حجم الضغوط النفسية، والاضطرابات الاقتصادية، وغياب السند الاجتماعي والديني الواقي الذي كان يتمتع به الأفراد قديماً.
وتزامنا مع كل ذلك نرى تراجع المنظومة التعليمية والأخلاقية حيث انتشرت ظاهرة الغش في الامتحانات كبديل للاجتهاد، وصاحب ذلك جشع تجاري تمثل في الدروس الخصوصية. كما ظهرت قضايا فساد أخلاقي وسلوكي لدى بعض المعلمين الذين تخلوا عن دورهم التربوي، مما أفقد المهنة قدسيتها القديمة.
وفي المقابل ما رأيناه مؤخرا وضجت به مواقع التواصل الإجتماعي الا وهو الفساد الإداري وأيضا جشع التجار ، لقد تغلغل الجشع لدى بعض التجار الذين يستغلون الأزمات لرفع الأسعار بلا رحمة، إلى جانب فساد بعض الموظفين وتغليب المصلحة الشخصية على حساب خدمة المواطنين وبساطة التعامل.
وهنالك أيضا مفارقة عجيبة وهي التحرش السلوكي .
في "الزمن الجميل"، كانت الفتيات ترتدين الملابس القصيرة أو الضيقة وفقًا للموضة السائدة آنذاك، ومع ذلك حظين بأعلى درجات الإحترام والأمان في الشارع ولم يكن يتعرض لهن أحد بفضل رقي الأخلاق والنخوة. أما في الحاضر، فقد ارتفعت نسب التحرش بشكل مرعب، والمفارقة الصادمة أن التحرش بات يطال حتى الفتيات الملتزمات أو المحتشمات، مما يثبت أن الخلل يكمن في سلوكيات وأخلاقيات بعض أفراد المجتمع وليس في مظهر الضحية.
أمام هذه المقارنة الحتمية، التي يتضاعف خلالها شوق الناس إلى "مصر القديمة"؛ تلك الدولة التي لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل كانت منارة تضيء للعالم بأكمله في شتى المجالات. يشتاق الجميع إلى مصر التي قادت المشرق ثقافيًا وفنيًا عبر مبدعيها، وكتابها، وفنانيها، والمنارة الدينية التي نشرت قيم الوسطية والاعتدال والتسامح. إن النداء بـ "وحشتينا يا مصر" هو في جوهره دعوة لاستدعاء تلك الروح القديمة، والتمسك بالقيم الأصيلة، لإعادة بناء الحاضر على أسس متينة تحاكي عظمة الماضي.