بقلم- أحمد قنديل
إقرأ الجزء الأول:
https://www.alnahar.news/80782
استيقظ حمودي من نومه على صوت رنين هاتفه اللحوح. نظر إلى الشاشة والنعاس لا يزال يكبل عينيه وثقل النوم يداعب جفونه، لكن ما إن أبصر اسم "سَمُون" يطرق أبواب هاتفه، حتى تبدد الكرى وتسلل تفاؤل دافئ إلى أعماق قلبه. كانت تتصل لتطمئن عليه، ولم يكن حمودي ليفوت هذه الفرصة الذهبية؛ فبينما كانت كلماتها الرقيقة تنساب عبر الأثير، استجمع شجاعته وطلب مقابلتها. تمنعت قليلاً ثم وافقت، فضربا موعداً في الحديقة ذاتها التي شهدت أولى نبضات حكايتهما.
التقيا هناك، ودارت بينهما أحاديث طويلة، تماوجت بين جدية الحياة ومزاح الضحكات العفوية. كان قلبه يخفق بشدة، وفي كل مرة يقرر فيها أن يزيح الستار عن مشاعره ويصارحها بحبه الجارف، كان التردد يكبله فيتراجع في اللحظة الأخيرة.
خاصة وأن عيد ميلادها اليوم ، ولايريد أن يعكر صفو هذا اليوم ،
لم تكن سَمُون غافلة؛ إذ كانت تنظر إليه بنظرات عميقة محملة بعتب خفي، وكأنها هي الأخرى تكافح لتصارحه بسرٍ ما عجز لسانها عن نطقة. ورغم صمت الشفاه، كانت عيونهما تتحدث بلغة لا يفهمها سواهما، تقول كل شيء وتختصر مسافات العشق.
ساد صمت قصير، فطلب منها أن يسيرا معاً وسط ممرات الزهور الملونة. انحنى حمودي وقطف وردة حمراء قانية، وقدمها لسمون التي استقبلتها بابتسامة خجولة وقال لها كل عام وانتي بخير ، عيد ميلاد سعيد، وعندما وصلا إلى شجيرة ياسمين تفوح عطراً، امتدت يدها الرقيقة واقتطفت زهرة ياسمين بيضاء ناصعة وأهدتها له. وبدون وعي منه، وتحت تأثير سحر اللحظة، رفع حمودي زهرة الياسمين إلى شفتيه وقبّلها بشغف. تعالت ضحكات سَمُون العذبة، بينما تراجع حمودي وقد كست حمرة الخجل وجنتيه.
استجمع حمودي ما تبقى من جرأته، وأمسك بيدها بلطف وهم يتابعون سيرهم. نظرت إليه، واحمر وجهها خجلاً، لكنها لم تسحب يدها؛ بل تشابكت أصابعهما بحرارة دفعت الدماء في عروقهما. نظر حمودي في عينيها مباشرة، ولم يعد قادراً على الكتمان، فتنحنح ونطقت شفتاه بصدق هزّ أركان المكان: "سَمُون.. إنني أحببتكِ بشدة!".
أغمضت سَمُون عيناها فوراً، وكأنها غرقت وتاهت في بحر عميق من الشوق والغرام، منتشية بصدق مشاعره التي لامست روحها. لكن هذه السعادة لم تدم سوى ثوانٍ معدودة؛ إذ فتحت عينيها فجأة بذعر وخجل شديد، وسحبت يدها بحدة من بين يديه الدافئتين، وقالت بنبرة متحشرجة باكية: "وأنا أيضاً أحببتك.
كانت نسمات الفجر العليلة غادرت الحديقة العامة القديمة . قطرات الندى تلمع فوق بتلات الزهور كآمال صغيرة تولد وتتلوى ببطء. سارت "سمون" بخطوات متثاقلة بين الممرات الضيقة التي تحرسها أشجار ضخمة، شهدت جذورها على عقود من الأسرار بجانبها،
كان "حمودي" يسير والبهجة تكاد تطير به. ذلك الفتى الخجول المتردد الذي كان يخشى مجرد النظر في عينيها، تبدل تماماً. نطق قلبه أخيراً بالشجاعة، ونظر إليها بعينين تلمعان بالانتصار وهو يقول:
"ما زلت لا أصدق يا سمون.. كلماتكِ أعادت الروح لجسدي. أن أسمعكِ تقولين ’أنا أيضاً أحببتك‘.. هذا كل ما تمنيته في حياتي."
التفتت إليه سمون. امتلأت عيناها بدموع حبستها بصعوبة. لم تكن هذه المقابلة بداية كما يظن، بل كانت الوداع الأخير الذي خططت له وحدها. تراجعت خطوة إلى الوراء، واحتضنت كفيها ببعضهما من شدة البرد الصامت في أعماقها.
وقالت بصوت مخنوق: "حمودي.. أرجوك استمع إليّ جيداً. اعترافي لك لم يكن بداية لطريق سنمشيه معاً. بل كان صرخة أخيرة لقلب يعلم أنه سيموت قريباً."