الإثنين 18 مايو 2026 09:41 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

اليوم العالمي للمتاحف.. حين تتحول الحضارة إلى رسالة سلام

النهار نيوز

بقلم د. سمر حمدون

الأستاذ بكلية الآثار – جامعة عين شمس

في الثامن عشر من مايو من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمتاحف، تلك المناسبة الثقافية التي أطلقها المجلس الدولي للمتاحف عام 1977، بهدف التأكيد على الدور الحضاري والتعليمي للمتاحف، باعتبارها منابر للمعرفة، وجسورًا للتواصل الإنساني، وأدوات فعّالة لتعزيز الحوار بين الشعوب والثقافات المختلفة. ولم يعد الاحتفال بهذا اليوم مجرد مناسبة رمزية، بل أصبح رسالة عالمية تؤكد أن الثقافة قادرة على مواجهة الانقسام، وأن الحضارة يمكن أن تكون لغة مشتركة توحد الإنسانية.

ويأتي شعار الاحتفال هذا العام تحت عنوان: “المتاحف توحد عالماً منقسماً”، وهو شعار يعكس بوضوح ما يمر به العالم من صراعات سياسية وأزمات ثقافية واجتماعية متشابكة، جعلت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى مؤسسات تمتلك القدرة على إعادة بناء جسور الثقة والتفاهم بين الشعوب. وهنا يبرز دور المتاحف باعتبارها ذاكرة الأمم الحية، التي تحفظ تاريخ الإنسان، وتروي قصص الحضارات المختلفة دون تمييز أو إقصاء.

لقد تجاوز مفهوم المتحف في العصر الحديث فكرة كونه مجرد مكان لحفظ القطع الأثرية أو عرض المقتنيات النادرة، ليصبح مؤسسة ثقافية وتعليمية متكاملة تؤدي دورًا محوريًا في بناء الوعي المجتمعي. فالمتاحف اليوم تُسهم في نشر الثقافة والمعرفة بأساليب تفاعلية حديثة، وتوفر بيئة تعليمية غير تقليدية تساعد الأطفال والشباب على فهم التاريخ والعلوم والفنون بصورة أكثر قربًا وتأثيرًا. كما أصبحت المتاحف شريكًا أساسيًا في دعم البحث العلمي، من خلال ما تقدمه من وثائق ومقتنيات ومصادر معرفية تسهم في دراسة الحضارات الإنسانية وتطورها.

ومن أهم أدوار المتاحف كذلك، تعزيز الهوية الوطنية والانتماء الحضاري، خاصة لدى الأجيال الجديدة، حيث تربط الشباب بتاريخ أجدادهم، وتغرس في نفوسهم الشعور بالفخر بإرثهم الثقافي والحضاري. فالشعوب التي تعرف تاريخها جيدًا، تكون أكثر قدرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.

كما تلعب المتاحف دورًا بارزًا في دعم أهداف التنمية المستدامة، عبر نشر الوعي بأهمية الحفاظ على التراث والبيئة، والمساهمة في تحقيق العدالة الثقافية، وإتاحة المعرفة لمختلف فئات المجتمع دون تمييز. ومن خلال الأنشطة والبرامج الثقافية، تساهم المتاحف في تقليل الفجوات المعرفية والاجتماعية، وتفتح آفاقًا للحوار والتفاهم بين الثقافات المختلفة.

وتأتي مصر في مقدمة الدول التي تولي اهتمامًا كبيرًا بهذه المناسبة، لما تمتلكه من إرث حضاري فريد يمتد لآلاف السنين. وتشهد المتاحف المصرية خلال هذا اليوم العديد من الفعاليات المميزة، مثل فتح أبواب بعض المتاحف والمواقع الأثرية مجانًا أمام الزوار، وتنظيم الورش التعليمية للأطفال والشباب، إلى جانب إقامة المعارض المؤقتة التي تسلط الضوء على قطع أثرية نادرة تعكس عظمة الحضارة المصرية وتنوعها.

ويبقى المتحف المصري الكبير نموذجًا عالميًا يعكس قدرة مصر على المزج بين عراقة الماضي وتكنولوجيا الحاضر، ليقدم للعالم رسالة حضارية تؤكد أن الثقافة ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء السلام والتقارب الإنساني.

إن الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف ليس مجرد دعوة لزيارة المتاحف، بل دعوة للتأمل في قيمة الحضارة الإنسانية، والإيمان بأن المعرفة والثقافة هما الطريق الحقيقي نحو عالم أكثر وعيًا وتسامحًا وسلامًا.

اليوم العالمي للمتاحف.. حين تتحول الحضارة إلى رسالة سلام