الخميس 7 مايو 2026 08:26 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

الكاتب الصحفي محمود الفرماوي : الأدب العربي الكردي ساحة للفهم.. لا مساحة للانقسام

الكاتب الصحفي محمود الفرماوي
الكاتب الصحفي محمود الفرماوي

ليست الرواية مجرد حكاية تُروى، ولا الأدب مجرد نصوص تُقرأ… بل هما مرآة الشعوب، وذاكرتها الحيّة، والصوت الذي يبقى حين تضيع الأصوات الأخرى.

وعندما نقترب من الأدب العربي والكردي، نكتشف أننا لا نقف أمام عالمين منفصلين، بل أمام سرديتين متوازيتين، تحملان الكثير من الألم، والكثير من الأمل، والكثير من التفاصيل التي تتشابه إلى حدٍ يثير الدهشة.

في الرواية العربية، كما في الرواية الكردية، نجد الإنسان البسيط حاضراً بقوة، الفلاح، الأم، المقاتل، العاشق، والمنفي.
نجد الحكايات التي تدور حول الأرض، والهوية، والبحث عن الاستقرار، والخوف من الفقد، وهي ذاتها الموضوعات التي شغلت الكاتب الكردي لعقود طويلة.

ولعل ما يلفت الانتباه، أن كثيراً من الروايات الكردية، حتى حين كُتبت بلغات أخرى، حملت في مضمونها روح الشرق ذاتها التي نجدها في الأدب العربي، ممثلة بالحساسية العالية تجاه الظلم، والتمسك بالعائلة، والحنين العميق إلى المكان.

في المقابل، لم يكن الأدب العربي بعيداً عن هذه الروح، بل عبّر عنها بأساليب مختلفة، لكنه التقى معها في الجوهر،، الإنسان في مواجهة القسوة، والذاكرة في مواجهة النسيان.

هذه المساحات المشتركة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة تاريخ طويل من التعايش، والتجاور، والتداخل الثقافي والاجتماعي بين العرب والكرد.

ومع تطور حركة النشر والترجمة، بدأت هذه الأعمال تعبر الحدود بشكل أكبر، فصار القارئ العربي يطّلع على الأدب الكردي، ويكتشف فيه نفسه، وصار القارئ الكردي يرى في الرواية العربية جزءًا من تجربته الخاصة.

وفي هذا السياق، برزت مبادرات ثقافية وإعلامية حاولت أن تُعيد تسليط الضوء على هذه المشتركات، وتقديمها للجمهور بأسلوب مبسط وقريب، ومن بينها حملة «تكامل… عرب وكرد، مصير مشترك»، وهي إحدى مشروعات شبكة الاستشراف الدولية للدراسات والإعلام والاستشارات.

حيث عملت الحملة، عبر منصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، على نشر مقتطفات أدبية، وتسليط الضوء على كتاب وتجارب من الجانبين، إلى جانب إنتاج محتوى يُبرز التشابه في القضايا التي تناولها الأدب العربي والكردي، سواء في الرواية أو الشعر أو السرد الشفهي.

ما يميز هذا الطرح، أنه لا يقدّم الأدب كترف ثقافي، بل كأداة لفهم الآخر، وكجسر إنساني يمكن أن يُعيد بناء ما أفسدته السياسة أو شوهته الصور النمطية.

فحين يقرأ شاب عربي رواية كردية تتحدث عن الفقد أو الغربة أو الحلم، فإنه لا يتعامل معها كنص غريب، بل كقصة قريبة منه، وربما تشبه حياته أكثر مما يتوقع.

وحين يقرأ شاب كردي رواية عربية تُلامس ذات المشاعر، فإنه يكتشف أن المسافة بينه وبين هذا “الآخر” ليست كما كانت تُصوَّر له.

هنا، يتحول الأدب من مجرد كلمات، إلى تجربة مشتركة، إلى مساحة لقاء صامت، لكنها عميقة التأثير.

ومن المهم في هذا السياق، أن يتم الاستثمار في هذا النوع من التقاطعات الثقافية، ليس فقط عبر النشر والترجمة، بل عبر تحويلها إلى مشاريع إعلامية وثقافية أوسع، قادرة على الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور.

فالعلاقة بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات، بل عبر القصص التي يرويها الناس لبعضهم البعض، وعبر القدرة على الإصغاء لتجارب الآخرين دون أحكام مسبقة.

ولعل ما تقوم به مبادرات مثل «تكامل»، من إعادة تقديم هذه القصص، وإبراز هذا التشابه الإنساني، هو خطوة في الاتجاه الصحيح تُعيد للأدب دوره الحقيقي، في أن يكون مساحة للفهم، لا ساحة للانقسام.

الادب/الكردي