الثلاثاء 5 مايو 2026 03:41 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

د :محمود ابوعميرة يكتب ”برحيلِه... يُطوى آخرُ ما تبقّى من زمن الفن الجميل”

النهار نيوز

لم يكن الرحيل هذه المرّة مجرّد خبرٍ عابرٍ تتناقله الشاشات، ولا سطرًا حزينًا يمرّ في شريطٍ إخباريٍّ بارد، بل كان انكسارًا خفيًّا في قلب الزمن نفسه، كأنّ ساعةً قديمة توقّفت فجأة بعد أن ظلّت تنبض عقودًا دون كلل، برحيل أمير الغناء العربي هاني شاكر، لم نودّع صوتًا فحسب، بل ودّعنا آخر ظلٍّ ممتدٍّ لذلك العصر الذي كان يُعرف بكل ما فيه من نقاء وصدق، بزمن الفنّ الجميل.
كأنّ الأرض فقدت أحد أسرارها الهادئة، وكأنّ الهواء صار أقلّ شفافية، لأن صوتًا كان يمرّ خلاله فينقّيه قد غاب، ذلك الصوت الذي لم يكن مجرّد نبرةٍ موسيقيّة، بل كان حالةً إنسانيّة كاملة، كان دفئًا يسري في الأرواح، لم يكن يرفع صوته ليصل، بل كان يصل لأنّه صادق، لأنّه يخرج من مكانٍ عميق في الروح، من ذلك المكان الذي لا نعرف كيف نصفه، لكنّنا نشعر به حين يهتزّ قلبنا بلا سببٍ واضح.
وحين نستعيد ملامح ذلك الزمن الذي عاش فيه هذا الصوت، نجد أنفسنا أمام عالمٍ مختلفٍ تمامًا عن عالمنا الآن، كانت الأغنية تُصنع كما تُصنع القصائد الخالدة، تُنسج كلماتها بعناية فائقة وتُختار ألحانها كما تُختار الألوان في لوحةٍ نادرة، وكان من يؤديها إنسانًا يحمل رسالة قبل أن يكون نجمًا.
في ذلك العالم، كان هاني شاكر يقف بثبات كأنّه حارسٌ أمين لذاكرةٍ ووجدان الناس، يرفض أن يتركها تُسرق أو تُشوّه، فلم ينجرّ وراء موجاتٍ عابرة، ولم يبدّل جلده ليتلاءم مع زمنٍ لا يُشبهه، بل ظلّ وفيًّا لذلك النبع الذي خرج منه وللاحساس الأصيل.
لم تكن أغانيه مجرّد محطّاتٍ عابرة في الذاكرة، بل كانت لحظاتٍ نعيشها بكلّ تفاصيلها ونستعيد ضحكاتٍ ظننّها انها ضاعت، كان يغنّي للحبّ كما لو أنّه يعرف كلّ قصص العشّاق، ويغنّي للفراق كما لو أنّه عاش كلّ وداعٍ في هذا العالم، لذلك كانت كلماته تصيبنا في العمق لأنّها لم تكن مصطنعة، بل كانت صادقة إلى حدّ الألم.
ومع مرور السنوات، تغيّر كلّ شيء وصار العالم أسرع، وصارت الأغنية أقصر، وصار الإحساس أقلّ عمقًا واختلطت الأصوات وتكاثرت الألحان، لكنّ القليل منها فقط استطاع أن يترك أثرًا حقيقيًّا، وفي هذا الزحام كان هاني شاكر أشبه بشجرةٍ قديمة جذورها عميقة لا تقتلعها الرياح، وظلّها وارفٌ يلجأ إليه من يعرف قيمته.
كان آخر ما تبقّى من زمنٍ كانت فيه البساطة سرّ الجمال، وكان فيه الصدق كافيًا ليصنع الخلود، ومع رحيله، نشعر وكأنّ ذلك الزمن قد طوى آخر صفحاته، وكأنّ كتابًا جميلا أُغلق دون أن نكون مستعدّين لنهايته.
لكن، هل ينتهي الزمن حقًّا برحيل أحد رموزه؟ أم أنّه يتحوّل إلى ذكرى حيّة، إلى طيفٍ يرافقنا في تفاصيل حياتنا؟ لعلّ الإجابة تكمن في تلك اللحظات التي نعود فيها إلى أغانيه، فنشعر أنّه لم يرحل، وأنّ صوته ما زال هنا، يملأ الفراغ.
إنّ الفنّ الحقيقي لا يموت، لأنّه لا يرتبط بجسدٍ أو زمن، بل يرتبط بالروح، وما قدّمه هاني شاكر لم يكن مجرّد أغنيات، بل كان جزءًا من وجداننا، من ذاكرتنا، من الطريقة التي نشعر بها ونفهم بها الحياة، وهذا ما يجعل رحيله مؤلمًا، لكنّه أيضًا ما يجعل حضوره مستمرا، لقد علّمنا دون أن يقصد، أنّ الجمال ليس في التعقيد، بل في الصدق، وأنّ الصوت الذي يخرج من القلب يصل إلى القلب، مهما تغيّرت الوسائل وتبدّلت الأزمنة.
فحين نرثيه، فإنّنا لا نبكيه وحده، بل نبكي ذلك الزمن الجميل، نبكي أيّامًا كانت أبسط ومشاعر كانت أوضح وأحلامًا كانت أقرب، نبكي عالمًا كان يعرف كيف يُنصت، وكيف يُقدّر، وكيف يحتفي بالجمال دون ضجيج.
ربّما لن يعود ذلك الزمن الجميل، وربّما لن يظهر صوتٌ يشبهه تمامًا، لكن يكفي أنّه مرّ في حياتنا وترك هذا الأثر العميق، يكفي أنّنا حين نُغلق أعيننا ونستمع اليه نعود إلى تلك اللحظات، إلى ذلك الصفاء، إلى الإحساس الذي لا يُشترى ولا يُباع.
رحيل هاني شاكر ليس نهاية حكاية، بل هو بداية نوعٍ آخر من الحضور، حضورٍ لا يُرى، لكن يُحسّ، سيظلّ صوته يتردّد في المسافات بيننا وبين ذكرياتنا، في الطرقات التي مشيناها ونحن نستمع إليه، في اللحظات التي احتجنا فيها إلى شيءٍ جميلٍ لنتمسّك به.
وفي عالمٍ يزداد قسوةً يومًا بعد يوم، سيبقى ذلك الصوت شاهدًا على أنّ الجمال كان ممكنًا، وأنّ الصدق كان كافيًا، وأنّ الفنّ، حين يكون حقيقيًّا، يستطيع أن يهزم النسيان.
سلامٌ على صوتٍ لم يكن مجرّد صوت، بل كان حياةً كاملة، سلامٌ على زمنٍ مضى، لكنّه لم يمت فينا، وسلامٌ على كلّ من يؤمن أنّ الفنّ يمكن أن يكون نقيًّا كما كان، جميلًا كما كان.