الإثنين 20 أبريل 2026 07:13 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

سلطة قاضي الإلغاء في تعديل القرار الإداري المعيب

النهار نيوز

بقلم الدكتور / أحمد صفوت السنباطي

في عالم القانون الإداري، حين يصدر قرار إداري معيب، سواء بشكله أو بإجراءاته أو بمضمونه، كان القاضي الإداري التقليدي يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن يلغي القرار بالكامل فيعود الوضع إلى ما كان عليه قبل القرار، وإما أن يحكم بالتعويض إذا كان الإلغاء غير كافٍ لرد الحقوق هنا يظهر سؤال جوهري لماذا لا يملك القاضي سلطة تعديل القرار المعيب بدلاً من إلغائه بالكامل؟ هذا السؤال حير الفقهاء والقضاة لعقود، وفي بعض النظم القانونية المتقدمة مثل فرنسا وألمانيا، توجد سلطة محدودة للقاضي الإداري في تعديل القرار، لكن في القانون المصري ظل المبدأ الراسخ هو أن قاضي الإلغاء ليس قاضياً بالاستئناف، أي أنه لا يصحح القرار بل يلغيه فقط، لأنه لو جاز له التعديل لصار شريكاً في صنع القرار الإداري، وانتهك مبدأ الفصل بين السلطات، لكن مع تطور الحياة الإدارية وتعقيد العقود والتراخيص، بدأت تظهر استثناءات وتطبيقات ذكية جعلت القاضي المصري يقترب من سلطة التعديل دون أن ينحي عن مبادئه أول هذه الاستثناءات يكمن في نظرية "القرار المنفصل"، فالقاضي لا يعدل القرار الأصلي، لكنه يفصل فيه إلى جزأين، فيلغي الجزء المعيب ويبقي على الجزء السليم، وهذا ما حدث في قضية شهيرة لأستاذ جامعي صدر قرار بفصله من الجامعة مع حرمانه من المعاش، فوجد القاضي أن سبب الفصل كان صحيحاً وثبت بالإثباتات، لكن حرمانه من المعاش كان مخالفاً للقانون، فألغى الجزء الخاص بالمعاش وأبقى على قرار الفصل، وهنا لاحظ كيف أن النتيجة النهائية تشبه تعديل القرار، مع أن القاضي لم يمس القرار الأصلي بل ألغى جزءاً منه فقط الاستثناء الثاني والأكثر جرأة هو ما يتعلق بالقرارات المرتبطة بتراخيص أو جوازات، ففي قضية ترخيص بناء صدر بتاريخ انتهاء غير صحيح بسبب خطأ مطبعي واضح، لم يلغ القاضي الترخيص كله، بل حكم بإلزام الإدارة بتصحيح التاريخ وفق ما هو ثابت في مستندات الطلب الأصلي، وهذه وثيقة قضائية تسمى "حكم تصحيح"، وهي أقرب ما يكون إلى التعديل دون أن يسمى تعديلاً، بل إن المحكمة الإدارية العليا في مصر ذهبت في أحكام متقدمة إلى القول بأنه إذا كان العيب في القرار يقتصر على مخالفة القانون في تقدير الجزاء، جاز للقاضي أن يحدد الجزاء الصحيح الذي كان يجب على الإدارة توقيعه، شريطة أن يكون الجزاء محدداً في القانون بنطاق معين، مثلاً قانون الخدمة المدنية ينص على أن عقوبة إهمال واجبات الوظيفة تتراوح بين الخصم من الراتب لمدة شهر والعزل، فإذا أصدرت الإدارة قراراً بالعزل وكان القاضي يرى أن الخصم لمدة شهر هو الجزاء المناسب، فلا يستطيع القاضي أن يعدل القرار ليصبح "خصماً لمدة شهر"، لكنه في بعض الأحكام ألغى قرار العزل وألزم الإدارة بإعادة النظر في الجزاء بما لا يتجاوز عقوبة الخصم، وهذه صيغة لطيفة تجعل الإدارة غير مخيرة بين العزل والعفو، بل مجبرة على تطبيق تقدير القاضي من باب الاحترام للحكم، وهنا نتساءل: لماذا لا نذهب خطوة أبعد ونمنح القاضي الإداري سلطة صريحة في تعديل القرارات الإدارية المعيبة؟ الفقهاء الذين يؤيدون التعديل يقولون إن هذا يوفر الوقت والجهد على المواطن والإدارة، ويمنع إصدار قرارات جديدة قد تحمل عيوباً جديدة، ويحقق العدالة الناجزة في القضايا البسيطة، بينما الخصوم يردون بأن سلطة التعديل تحول القاضي إلى إداري، وتجعله يتحمل مسؤولية قرارات لم يصدرها، وتخلق حالة من عدم اليقين القانوني، لكن الحل الوسط الذي يراه الكثيرون هو منح القاضي سلطة تعديل محدودة جداً، تقتصر على الأخطاء الحسابية والمطبعية والزمنية الواضحة، مع إلزامه بأن يعلن في حكمه النص الذي كان يجب أن تصدر به الإدارة، دون أن يحل نفسه محلها في المسائل التقديرية،.

وفي النهاية، تظل سلطة قاضي الإلغاء في تعديل القرار المعيب هي الحدود الفاصلة بين القاضي الحارس للشرعية والقاضي صانع القرار، وهي معادلة دقيقة تحتاج إلى تشريعات واضحة وجرأة قضائية مدروسة، فالقرار الإداري المعيب كالمريض، أحياناً يحتاج إلى عملية جراحية كبرى (الإلغاء)، وأحياناً يكفيه تعديل بسيط في الجرعة، والمريض هنا هو مصلحة المواطن والإدارة معاً.

سلطة قاضي الإلغاء في تعديل القرار الإداري المعيب