د .محمود ابوعميرة يكتب.: نسيمَ الربيع: سرَّ الحنينِ عندما تتفتّح الازهار وتزدهر القلوب.


أيا نسيمَ الربيع، يا لغةً لا تُقرأ بالحروف بل تُحَسُّ في أعماق القلب، يا همسةً خفيفةً تعبر الروح فتوقظ فيها ما نام من شغفٍ ودهشة، كأنك الوعدُ القديم الذي لا يشيخ، وكأنك الذكرى التي كلما ابتعدتْ اقتربت أكثر.
فيكِ شيءٌ يشبه البداية الأولى لكل شيء جميل، شيءٌ يشبه ارتعاشة القلب حين يكتشف للمرة الأولى أن للحياة وجهاً آخر غير التعب، وأن للكون قلباً يخفق بالجمال، كنتُ حين أتنفسك أتعلم كيف يكون الوجود أكثر اتساعاً، وكيف يمكن لنظرةٍ واحدةٍ إلى الأفق أن تغدو قصيدة، وكيف يمكن لزهرةٍ صغيرةٍ أن تشرح معنى الحياة أكثر من ألف كتاب.
يا نسيم الربيع، ما أنتِ إلا ذاكرةٌ تمشي على الأرض، تفتح أبواب الماضي برفق، وتعيد إليّ كل تلك اللحظات التي كنتُ أظنها رحلت، تعيد ضحكاتٍ كانت تتطاير كالعصافير، وعيوناً كانت تحمل في بريقها عالماً لا يُحدّ، تعيدها كما لو أنها لم تغب يوماً، وكأن الزمن أمامك يلين ويذوب.
وفي حضورك، أراها… أرى جمال عينيها وقد امتزج بزرقة السماء، أرى ضحكتها وقد اختبأت بين زهور الحقول، أراها في كل نسمة، في كل خفقة، في كل رعشة نورٍ تتسلل بين الأغصان. كأن الربيع لم يكن إلا مرآةً لجمالها، أو لعل جمالها هو الذي علّم الربيع كيف يكون ربيعاً.
كنتُ أكتشف العالم من خلالك، لا كأرضٍ وجبالٍ وأشجار، بل كإحساسٍ ممتد، كأن كل شيء فيه حيٌّ بنبض الحب، كنتُ أتعلم أن الجمال ليس شكلاً يُرى، بل حالة تُعاش، وأن الحب ليس كلمة تُقال، بل روحٌ تُنبت في القلب حدائق لا تنتهي من الورود الجميلة.
ونسيم الربيع، فيك تتجلى معاني العطاء، حيث تعطي الطبيعة دون أن تنتظر، وتزهر دون أن تُسأل، وتفيض بالحياة دون أن تخشى الفناء، وفيك يتجدد الأمل، كأن كل زهرةٍ تقول لنا: لا شيء ينتهي حقاً، بل يتحول، ويتوارى، ثم يعود أجمل مما كان.
وكم كنتَ، ولا تزال، ملهم للشعراء، ومهد للحكايات، ومولد الكلمات التي تعجز اللغة عن احتوائها، فيك كتبوا الحب، ومنك استعاروا الصور، وبكِ حاولوا أن يصفوا ما لا يُوصف، لكنك رغم كل ما قيل فيك، تبقى أوسع من القصائد وأعمق من الحروف وأصدق من كل التعبيرات.
فأنتَ السر الذي يجعل القلب يصدق أن للحياة معنى، وأن الجمال ليس صدفة، بل رسالة، وأنتَ الدليل على أن الروح مهما أثقلها التعب قادرة على أن تزهر من جديد.
يا نسيم الربيع لقد علّمتني أن الحب هو الحقيقة الوحيدة التي لا تتغير، وأن الجمال هو اللغة التي يفهمها الجميع دون ترجمة، وأن الذكريات الجميلة لا تموت، بل تتحول إلى نورٍ يرافقنا كلما اشتد الظلام.
أيا نسيمَ الربيع… يا وترَ الحنينِ إذا عزفَ القلبُ أغنيتهُ الأولى، ويا سرَّ الجمالِ حين يتجلّى في عيونِ من احب، أيا نسيمَ الربيع، يا وعداً أخضرَ يجيء كل عام ليُذكّر الروح بأنها خُلِقَت لتزهر، لا لتذبل… ما الذي تخبئه في طيّاتك حتى إذا مررتَ بي، شعرتُ أنني أعود إلى نفسي، إلى أول دهشةٍ عرفتها، إلى أول حبٍّ سكنني دون استئذان؟
أيا نسيم الربيع، كم تحمل من وجوه الذاكرة، كم تفتح من أبوابٍ كنتُ أظنها أُغلِقَت إلى الأبد، وتعود بي إلى تلك اللحظات التي كانت فيها الحياة خفيفة كحلم، صافية كعين ماء، دافئة كيدٍ تمسك بيدي دون خوف، تعيد إليّ وجوه الذين أحببتهم، وتعيد معها ضحكاتهم، أصواتهم، تفاصيلهم الصغيرة التي كانت تشكّل عالمي الكبير.
وفيكِ… أراها، أراها كما لم أرها من قبل، وكأن الربيع خُلِق ليكون صورتها، أو كأنها كانت المعنى الذي حاول الربيع أن يترجمه في زهره وعطره ونوره، عيناها… آه من عينيها، كأنهما سماءان تفتّحتا فجأةً في صدري، كأنهما الربيع ذاته حين قرر أن يسكن إنساناً، كنتُ كلما نظرتُ إليهما، شعرتُ أنني أفهم الحياة أكثر، وأحبها أكثر، وأغفر لها كل قسوتها.
حين أتنفّسك، لا أستنشق هواءً فحسب، بل أستنشق حياةً كاملة، كأن العالم يولد من جديد في صدري، وكأن كل شيءٍ كان صامتاً يبدأ في الغناء، فأراك في ارتعاش الأغصان، في خجل الأزهار، في ضحكة الضوء وهو يتسلّل بين الأوراق، وأشعر أن الجمال ليس خارجنا، بل فينا ينتظر نسمةً منك ليُعلن حضورها.
نعم كان الربيع معها مختلفاً، فلم يكن مجرد فصل، بل كان حالةً من الامتلاء من النور، من الحب الذي لا يعرف حدوداً، كنا نمشي فلا نشعر بالأرض، كأننا نطفو على بساطٍ من الضوء وكانت الكلمات بيننا قليلة لأن الجمال كان يتكلم عنا، كان كل شيء يقول: إن هذا هو المعنى الحقيقي للحياة… أن تحب، أن ترى الجمال، وأن تشعر بأن قلبك يتّسع للعالم كله.
فيا نسيم الربيع، لقد علّمتني أن الحب ليس لحظة، بل امتداد… ليس ذكرى، بل حضورٌ دائم يتشكّل بألف صورة، علّمتني أن الدفء لا يأتي من الشمس وحدها، بل من قلبٍ يعرف كيف يمنح وكيف يفيض، وكيف يرى في أبسط الأشياء معجزة.
وما زلتُ، كلما مررتَ بي، أعود كما كنتُ أول مرة، طفلاً يندهش وعاشقاً يحلم وإنساناً يؤمن أن في هذه الحياة ما يستحق أن يُعاش بكل هذا الشغف، وكل هذا الامتلاء، وكل هذا الحب الذي لا ينتهي، فابقَ قريباً مني، لأنني بكَ أتنفّس نفسي، وأراكَ فأرى الحياة كما يجب أن تكون: واسعة، دافئة، مغمورة بالحب، وممتلئة بذلك الحب والجمال الذي لا ينتهي أبداً.



















حكم جديد بالبراءة يرسى قواعد هامه .. نجاحات قانونيه تضاف للمساعد والخبير
تموين كفرالشيخ يشن حملات على الاسواق
«مستانف الإسماعيلية » تقضي بإلغاء حكم السجن المشدد لمتهمين بحيازة مواد مخدرة
خروج الفتيات المصابات باختناق في مصنع ملابس بالمنطقة الصناعية بالإسماعيلية
جدل قانوني يثير غضب الفنانين بالمغرب: هل تُحمَّل الفئة الفنية أعباءً مزدوجة...