الأربعاء 11 مارس 2026 04:24 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

نفحات العشر الأواخر… موسم الرحمة وسباق القلوب إلى الله

النهار نيوز

بقلم: د. أحمد جمال حمّاد

مع بدء العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، يستقبل المسلمون أعظم ليالي العام، تلك الليالي التي تتنزل فيها الرحمات، وتُفتح أبواب المغفرة، وتسمو فيها الأرواح طلبًا للقرب من الله تعالى. إنها أيام استثنائية تتجدد فيها معاني الإيمان، ويشعر المؤمن خلالها بنفحات ربانية تدعوه إلى مراجعة النفس وتجديد العهد مع الطاعة، حيث تتضاعف الحسنات، وتعلو همم الصالحين في سباقٍ روحاني لا يعرف الفتور.

وقد خصّ الله هذه الليالي بميزة عظيمة، إذ تضم ليلة القدر التي وصفها القرآن الكريم بأنها «خيرٌ من ألف شهر»، وهي ليلة تتجاوز قيمتها الزمنية أعمارًا طويلة من العبادة والعمل الصالح. ومن فضلها ما جاء في حديث النبي ﷺ: «مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، وهو وعد إلهي يفتح أبواب الأمل لكل من أراد بداية جديدة وصفحة نقية مع الله.

وتتجلى في العشر الأواخر مجموعة من الأعمال التي يستحب للمسلم الإكثار منها، وفي مقدمتها الإلحاح في الدعاء؛ فالدعاء في هذه الأيام يحمل معنى الرجاء الصادق والتعلق بالله وحده. إنها لحظات يشعر فيها الإنسان بقرب الإجابة، حيث تتبدل الأحوال وتُرفع الكربات بإذن الله. وقد أرشد النبي ﷺ أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها إلى أفضل الدعاء في ليلة القدر حين قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني». وهو دعاء يجمع معاني الرحمة والمغفرة، ويعكس حاجة الإنسان الدائمة إلى عفو الله ورضاه، خاصة في زمن تتعاظم فيه الحاجة إلى دعاء يوحّد الصفوف وينشر قيم السلام والطمأنينة بين الناس.

كما تتميز هذه الأيام بزيادة الاجتهاد في العبادة، اقتداءً بسنة النبي ﷺ الذي كان إذا دخلت العشر الأواخر «أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشدّ مئزره»، في صورة عملية تؤكد أهمية استثمار هذه الليالي وعدم التفريط في لحظاتها الثمينة. ومن أبرز العبادات المرتبطة بها الاعتكاف، وهو انقطاع مؤقت عن صخب الحياة للتفرغ الكامل لعبادة الله داخل المسجد، حيث ينشغل القلب بالذكر والصلاة وقراءة القرآن بعيدًا عن مشاغل الدنيا. وقد وصف الحافظ ابن رجب الاعتكاف بأنه «قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق»، في إشارة إلى عمق هذه العبادة التي تعيد ترتيب أولويات الإنسان الروحية.

ولا تقتصر نفحات العشر على العبادات الظاهرة فقط، بل تمتد إلى إصلاح القلوب وتطهيرها من أمراض الحسد والغل والحقد، وهي آفات قد تُذهب ثواب الأعمال مهما عظمت. فقد حذر النبي ﷺ من عبادة تخلو من أثرها الحقيقي في السلوك، فقال: «ربّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، وربّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر». وهو تنبيه واضح إلى أن جوهر العبادة يكمن في صلاح القلب واستقامة الأخلاق، لأن القلب هو معدن الإيمان ومنطلق صلاح الجوارح.

ومن أهم ما ينبغي استحضاره في هذه الأيام ردّ المظالم إلى أهلها وتصحيح العلاقات الإنسانية، فحقوق العباد لا تسقط بكثرة العبادة وحدها. وقد بيّن النبي ﷺ خطورة التعدي على الآخرين حين سأل أصحابه عن المفلس، موضحًا أن المفلس الحقيقي هو من يأتي يوم القيامة بأعمال صالحة كثيرة لكنه ظلم الناس، فتؤخذ حسناته لتعويضهم حتى يُطرح في النار. وهي رسالة عميقة تؤكد أن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن العدل والإنصاف وحفظ الحقوق.

إن العشر الأواخر ليست مجرد أيام عابرة في التقويم، بل محطة إيمانية كبرى تمنح الإنسان فرصة نادرة لإعادة بناء روحه، ومراجعة مسيرته، والتخفف من أعباء الذنوب والأخطاء. ففيها تتلاقى دموع التوبة مع رجاء المغفرة، ويجد المؤمن نفسه أقرب ما يكون إلى ربه، مستشعرًا أن أبواب السماء مفتوحة لمن قصدها بصدق.

وهكذا تبقى نفحات العشر الأواخر دعوة متجددة لكل قلبٍ يبحث عن النور، وفرصة ثمينة لمن أراد أن يختم شهر رمضان بأعمال تليق بعظمة هذه الأيام، علّها تكون بداية تحول حقيقي في حياة الإنسان، ونقطة انطلاق نحو طاعةٍ دائمة وسلامٍ داخلي لا ينقطع.

نفحات العشر الأواخر… موسم الرحمة وسباق القلوب إلى الله