الجمعة 23 يناير 2026 01:35 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

المقالات

د . محمود ابوعميرة يكتب: شعبان .. روائع الايمان والنفحات

النهار نيوز

.

يأتي شهر شعبان كنسمةٍ ربانيةٍ دافئة، تسبق فيض رمضان الكريم، وتهمس في القلوب الغافلة: أن تهيّئي، فقد اقترب موسم القرب من الله، نعم هو ليس شهرًا عاديًا بين اشهر العام ، بل محطة إيمانية عميقة، وجسر نورٍ بين رجب ورمضان، تُصفّى فيه الأرواح، وتُهذَّب فيه النوايا، وتُرفع فيه الأعمال إلى رب الأرض والسماء.
وشعبان هو شهر التهيئة الكبرى؛ تهيئة القلب قبل الجوارح، وتهيئة النية قبل العمل، وتهيئة السر قبل العلن، وفيه تُرفع الأعمال إلى الله، وكأن السماء تفتح أبوابها لتتلقّى صحائف العباد، فيا له من شرفٍ عظيم، ويا لها من لحظةٍ مهيبة، أن تُعرض أعمالك على ربك وأنت في حالٍ من الصيام، أو الذكر، أو التوبة، أو الخشوع، إنه شهر يُعلّمنا فلسفة الإخلاص: فليس المهم كثرة العمل، بل الاهم صفاء القلب حين يُرفع العمل، وليس المهم أن يراك الناس، بل أن يرضى عنك رب الناس.
ومن أراد أن يدخل رمضان بقلبٍ حي، فليبدأ من شعبان، فكما لا تُزرع الأرض يوم الحصاد، لا تُبنى الروح في أول ليلة من رمضان، فشعبان هو حرث القلوب، هو تنظيف الزوايا المظلمة في النفس، وهو مصالحة صادقة مع الله، بلا ضجيج، ولا تصنّع، ولا ادّعاء.
وفي شعبان يتعلّم المؤمن أن يعود إلى الله بهدوء العارفين، لا بصخب الطارئين، وأن يطرق باب الرحمة بأدب، لا بعجلة، وأن يقول: يا رب، ها أنا أعود… فاقبلني كما أنا، واصنع بي ما تحب.
وفي قلب هذا الشهر ليلةٌ عظيمة تتجلّى فيها الرحمة، وهي ليلة النصف من شعبان، ليلة يغمر فيها الله عباده بعفوه، ويفيض فيها بكرمه، وينظر فيها إلى القلوب لا إلى الصور، وإلى الصدق لا إلى المظاهر.
إنها ليلة دعوة صامتة: فطهّر قلبك من الحقد، ونقِّ روحك من الضغينة، وسامح ليُسامحك الله، فكم من قلبٍ أثقلته الخصومات، وكم من روحٍ أرهقتها الأحقاد، ويأتي شعبان ليقول: خفّف الحمل فالطريق إلى الله لا يُسلك بقلبٍ مثقل.
وشعبان هو شهر الغافلين وكنز العارفين، وقد سُمّي بشهر الغفلة، لأن الناس ينشغلون عنه بين رجب ورمضان، لكن العارفين بالله يعلمون أن الكنوز غالبًا تكون في الطرق المهجورة، ففيه العبادة أخفى، والنية أصدق، والقرب أعمق، والأثر أبقى، فمن عبد الله في شعبان ذاق حلاوة العبادة في رمضان، ومن صَفّى قلبه في شعبان، أشرق وجهه بنور رمضان.
نعم شعبان وعد الله لمن صدق، فهو ليس مجرد شهرٍ يمر، بل رسالة من الله: أن العودة ممكنة، وأن القرب متاح، وأن القلب مهما ابتعد، يمكنه أن يعود، فطوبى لمن فهم سر شعبان، وطوبى لمن جعله بداية لا نهاية، وطوبى لمن دخل رمضان وقلبه سجد قبل أن تسجد جوارحه.
اللهم بلّغنا شعبان بقلوبٍ خاشعة، وبلّغنا رمضان بنفوس نقية، ولا تحرمنا لذة القرب منك، ولا نور الطاعة اليك ، ولا من صدق الإخلاص لك.

شعبان نفخات شهرشعبان