الثلاثاء 13 يناير 2026 01:14 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر عبد الله

رئيس التحرير جودة أبو النور

أدب وثقافة

الكاتب المفكر م. عيسى بيومي: ”ظل الدرفش” صرخة للإنسانية

الكاتب المفكر م. عيسى بيومي
الكاتب المفكر م. عيسى بيومي

في أحدث إبداعاتها الأدبية، تقدّم الكاتبة الموهوبة مريم هرموش في روايتها ظل الدرفش نموذجًا لقهر الخوف في حياة البشر؛ الخوف من مجتمع يرفض التعدد والاختلاف، سواء في العقيدة الدينية أو المذهب السياسي، والخوف من عالم حاشد لا تحكمه قيم ومبادئ، وإنما المصالح المادية الصرفة، والخوف من الذات حين تحجم عن المقاومة وتستسلم لواقعها، فتغدو ضحية لكل أنواع الخوف

إنها لا تسرد قصة حياة يحيى العراقي وكيف انتزعه خوف التآمر والاضطهاد من مجتمعه بسبب دينه ليَفِرَّ هاربًا بزوجته وابنته من وطنه وأهله وعشيرته، وإنما تسرد حياة كل من يشذ عن المجموع برأي أو موقف، فلا يجد سوى الرفض والامتهان والتهديد بالانعزال والمحو، ليمسي الخوف ملجأه، والهروب مذهبه، إلى حيث يتخفّى من نفسه وممّن حوله. "ومن قال لك يا يحيى إنَّ زمننا زمنُ تعقّلٍ وتنوّر؟!" قالها صديقه زياد وهو ينصحه بالهروب

ولا يهم إن كان الانتماء لأقلية دينية هو حجر الزاوية في مأساة الرجل، فهناك كثيرون ممّن تعرّضوا للاضطهاد واستسلموا للخوف رغم انتمائهم للمجموع في أوطانهم، لأن هذا زمن الجنون. ولا يهم أن تنطلق في هروبك غربًا لا شرقًا، فالهارب من نفسه لا يمتلك بوصلةً تهديه أو تنصحه؛ فأينما تولِّ يظل رهين الخوف

ليست هذه رحلةَ لاجئٍ من العراق في ظرف شديد القسوة يستسلم لأمواج زمنه العاتية، تقذفه إلى الأردن ثم تركيا، ومنها يعبر البحر في قارب مطاطي مكتظ بأمثاله من اللاجئين إلى اليونان، في رحلة بائسة يغرق فيها القارب ويفقد يحيى زوجته وابنته، وليستمر في ألمه ومعاناته تتقاذفه يد القدر من بلد إلى آخر حتى يصل إلى السويد؛ وإنما هي رحلة الإنسان حين يتهاون في حريته وحقه في التصدي للظلم ومحاولة دحره مهما عظمت التضحيات، حين يتصور أن مجرد الهروب من مواجهة الشر يُؤمِّن له حياته وحياة من يحب، فإذا بهروبه يفقد من يحب، ويمضي خالي الوفاض حتى من شرف المواجهة، بعد أن اعتصرت إنسانيته مخاوفُ الموت وهلعه

الفضول الأدبي للخوض في أعماق تجربة شديدة القسوة والألم كي تسردها روائية ذات خيال خصب ومقدرة قصصية فذّة مثل مريم هرموش، ينتصر لضعف البشر واستسلامهم لقدرهم، ويثير فضول قرّائها لاكتشاف ما يتخفّى في ذواتهم من جوانب خوف تستهلك آمالهم؛ فهذا الفضول يحمل في طياته أثرَ فكرٍ دفين يحث إرادة الفعل وعزيمة المقاومة، وجذوة عاطفة تؤجج مشاعرنا وتحمي إنسانيتنا من البهتان والذبول

تفردت هرموش في السرد وبناء الأخيلة، ووصفت الأحداث بشكل مدهش واستثنائي. ولا بد أنها سخّرت ما اختزنته من أحداث واقعنا المضطرب لتنفثه بوعيها أو بلاوعيها في حكايتها ووصفها لما مرّ بيحيى من أحداث مروّعة، ما اصطبغت به الرواية من عنف، وجعلها تتشبع بتلك القسوة

ولو أن هناك لوحة فنية تعبّر عن هذه الرواية، فهي في رأيي لوحة الصرخة الشهيرة للفنان النرويجي إدفارد مونك، التي عبّر بها عن صرخة مدوية شعر بها تمرق في أرجاء الطبيعة أثناء تأمّله حمرة الغروب، ويعتبرها النقاد رمزًا عالميًا للهلع والخوف ومأساة الإنسان المعاصر. إنها صرخة للإنسانية.
الرواية الناجحة تحرّك الفكر بما تحتويه من بواعث وخواطر وتساؤلات، وتعتصر من النفس المشاعر الإنسانية بأطيافها ودرجاتها. وهذا ما نستلهمه من ظل الدرفش، وإن كانت القسوة أوضحها وأقواها: قسوة القدر، وقسوة الحياة، ومن قبل ذلك قسوتنا على أنفسنا باستسلامنا لواقع نظنّ أننا عاجزون عن تغييره دون أن نحاول باجتهاد وإخلاص

37a5b3ffeb75.jpg
4d85b3d6d14b.jpg
86f5c23d124a.jpg
ظل/الدرفش