د.محمود ابوعميرة يكتب: اعقلها وتوكل… توجيهٌ يضيء دروب الحياة.


في كلّ مرةٍ يعبر فيها نورُ النبوّة إلى القلوب، يترك في داخلها بصمةً من يقين، ولمسةً من هداية، وهمسةً من حكمةٍ تُرجِعُ النفس إلى فطرتها الأولى، وإلى السلام الداخلي للانسان، ومن بين تلك الحكم النبوية الخالدة، جاءت الكلمة التي لا تزال تُصلح ما أفسدته الفوضى، وتعيد ترتيب ما بعثرته العشوائية "اعقلها وتوكل"، فهي توجيهٌ نبويّ رقيق في لفظه، عظيم في معناه، بليغ في حكمته، يختصر فلسفة الحياة بين كفّي العمل والثقة، بين جهد الإنسان ورعاية الرحمن.
فلم تكن كلمة "اعقلها" دعوةً إلى التواكل أو الاستهتار، بل كانت إشارةً إلى الفعل، إلى ضبط الأسباب، وإعمال العقل، واتخاذ الخطوات اللازمة كي لا يترك المرء سفينته في مهبّ الريح، كأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: اعقل قلبك قبل ناقتك، ونظّم طريقك قبل أن تمضي فيه، ودع قدميك تسيران على أرضٍ ممهدة بعقلك وتدبيرك.
فالحياة لا تهب كنوزها للغافلين، ولا تفتح أبوابها للمترددين، إنما تنحني احترامًا لأولئك الذين أحسنوا إعداد العُدّة، وربطوا الجهد بحكمة، والنية بعلم، والعزم بإتقان.
بينما تبرهن كلمة "وتوكل" على اللمسة الإلهية التي تُسكِتُ ضجيج القلب بعد بذل الجهد، وتطفئ اسباب الخوف بعد إكمال السبب، فالتوكّل ليس تركًا للأسباب، بل هو تسليم القلب بعد أن يفعل ما بوسعه، تمامًا كما يزرع الفلّاح البذرة، يسقيها، يعتني بها، ثم يرفع عينيه إلى السماء ليرجو من الله المطر.
والتوكّل هو أن تعرف أن يدك تعمل، لكن النتائج بيد الله، وأن تُدرك أن جهدك محدود، لكن رعاية الله بلا حدود، أن تبذل، وتُرتّب، وتُحكِم، ثم تستريح مطمئنًا بأن فوق كل شيء ربٌّ لا يخيب من رجاه.
كم من إنسانٍ عطّل حياته بحجة التوكّل وهو في الحقيقة متواكل! لا يخطط، لا يسعى، لا يبحث، ولا يطرق بابًا، ثم ينتظر من السماء أن تهطل عليه الأقدار كما يشتهي، وكم من إنسانٍ أثقله القلق، وحمّله همومًا فوق طاقته، لأنه ظن أنّ النتائج مرهونة بيده وحده، ففقد الطمأنينة، ونام على وسادةٍ من خوفٍ لا ينتهي.
وجاءت كلمة المصطفى عليه الصلاة والسلام لتعيد التوازن: اعمل وكأن كل شيء بيدك، وتوكّل وكأن لا شيء بيدك، لتمثل درسٌا عظيما للحياة في كل مواقفها.
فحين يدخل المرء امتحانًا، أو يقدم على مشروعٍ، أو يخطط لمستقبلٍ، أو يسعى لنجاحٍ، أو يخطو في طريق زواجٍ، أو حتى في مسعى بسيط يخص يومه، يقف التوجيه النبوي شامخًا أمامه: اعقلها وتوكل، افعل ما عليك، ثم دع لله ما لله، ابذل جهدك، ثم اطمئن، اصنع أسبابك، ثم دع قلبك يستند على ركنٍ شديد.
وهكذا يمثل التوجيه النبوي "اعقلها وتوكل" حكمة بقدر المعجزة لأنها ليست مجرد كلمة؛ بل منظومة تفكير، منهج حياة، طريق سعادة، وسرّ نجاح، فهي كلمةٌ تُهذّب العقل، وتطمئن الروح، وتُصفّي القلب، وتُعلّم الإنسان كيف يعيش دنياه دون أن يضيع آخرته، وكيف يقف بين الواقعية والإيمان دون أن يسقط في أحد الطرفين.
وتتجلى عظمة معاني هذا التوجيه المبارك، حينما يتناغم القلب مع القدر وتلتقي الأرض بالسماء، وينسجم العقل بالقلب، ويلتقي السعي باليقين، فإذا أردنا لحياتنا أن تكون خفيفةً من الهم، قويةً في السعي، مطمئنةً في النتائج، فلنضع هذه الجوهرة النبوية تاجًا فوق كل خطوة.
فيا من تبحث عن النجاح وانت موقن في الوصول اليه: اعقلها فذلك جهدك، وتوكّل فذلك رزقك، وبينهما يعيش القلب مطمئنًا راضيًا، ثابتًا لا تهزّه أقدار ولا تعبث به الأيام.



















تموين القليوبية تضبط مخالفات كبيرة وتشدد قبضتها على الأسواق
مصدر أمني: ضبط إحدى السيدات بحوزتها بطاقات شخصية لعدد من السيدات
الداخلية ترد على تداول عدد من مقاطع الفيديو تدعي وجود مخالفات أمام...
ضبط 2,5 طن أغذية غير صالحة للاستهلاك الآدمي في هذه المحافظة
بالفيديو..مرشح الدائرة الأولى بمحافظة سوهاج فتحي أبو هدية يعلن عن خارطة الطريق...
محمد سليمان مديرًا لتحرير النهار نيوز
عاجل .. التعليم : إجراءات فورية وحاسمة تجاه واقعة مدرسة عبد السلام...