الجمعة 30 أكتوبر 2026 03:28 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

جودة أبو النور يكتب: لولاك ما كنت هنا.. كلمة وفاء للأستاذ محمد سيف

النهار نيوز

هناك لحظات في حياة الإنسان، كلما حقق فيها نجاحًا أو وصل إلى محطة مهنية مهمة، يعود بذاكرته إلى البدايات، ويجد نفسه يقول بكل صدق: لولا فلان، ما كنت هنا.

وهذا بالضبط ما أشعر به تجاه أستاذي الكبير الكاتب الصحفي الأستاذ محمد سيف، الذي استقبلني في مجلة الأهرام الرياضي، وفتح لي بابًا كان بداية مشوار مهني طويل.

ولا تزال تفاصيل اليوم الأول الذي دخلت فيه مجلة الأهرام الرياضي عالقة في ذاكرتي بكل ما حملته من رهبة البدايات وأملها. أتذكر أن الأستاذ أنور عبد اللطيف، مدير التحرير الفني للمجلة آنذاك، أمسك بيدي واصطحبني إلى مكتب الأستاذ محمد سيف، وكان معي أرشيف يضم عددًا من الأعمال الصحفية التي نشرتها في صحف أخرى قبل التحاقي بالأهرام.

وما زلت أذكر أن الأستاذ أنور، في مداعبة لطيفة، قال للأستاذ محمد سيف وهو يقدم له الأرشيف: «هذا الرجل لا أعرفه»، قاصدًا إياي بالطبع، ويريد أن يلتحق بالمجلة. وأمسك الأستاذ محمد سيف بالأوراق، وراح يتصفحها ويقلب صفحاتها، ثم نظر إليّ متسائلًا: «أكتبت كل هذا يا جودة؟»، فأجبته: «نعم». وبعدها وجّهني إلى الأستاذ الراحل خالد توحيد، الذي منحني بدوره إشارة القبول، لتبدأ رحلتي مع هذه المجلة العريقة.

كانت لحظات بسيطة في ظاهرها، لكنها شكلت بداية مرحلة مهمة في حياتي المهنية، ولا أنسى أبدًا أصحاب الفضل الذين كانوا حاضرين فيها.

ولا أنسى أيضًا أن أول صورة لي تُنشر في المجلة مع أحد الموضوعات الصحفية كانت بقرار من الأستاذ محمد سيف، وأنا لا أزال في بداية مشواري. ربما كان الأمر بالنسبة إليه قرارًا عاديًا في يوم عمل، لكنه بالنسبة إليّ كان خطوة أولى وإشارة ثقة مبكرة لا تزال عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.

وعلى امتداد هذا المشوار، لم يتوانَ الأستاذ محمد سيف عن تقديم الدعم والمساندة والنصيحة، منذ عهد الراحل العظيم الأستاذ إبراهيم حجازي، رئيس تحرير المجلة آنذاك، وحتى يومنا هذا.

وأكتب هذه الكلمات بمناسبة فوزي في انتخابات رابطة النقاد الرياضيين، فقبل أن أتخذ قرار الترشح، حرصت على استطلاع رأي أستاذي محمد سيف، فإذا به يشجعني ويدعمني لخوض التجربة، وظل متابعًا لي طوال فترة الاستعداد للانتخابات.

ومن أجمل اللحظات التي لا أنساها، أنني كنت أتواصل مع الزملاء أعضاء الرابطة، وأحاول إقناعهم بمنحي أصواتهم، فأفاجأ ببعضهم يقولون لي: «الأستاذ محمد سيف أوصانا باختيارك». كانت كلمات بسيطة، لكنها حملت لي قدرًا كبيرًا من السعادة والطمأنينة، ليس فقط لأنها تعني أن هناك من يدعمني، وإنما لأنها جاءت من رجل أعرف جيدًا قيمة رأيه ومكانته لدى زملائه.

ولم تكن رحلة العمل دائمًا مفروشة بالورود، فالعمل الصحفي، مثل الحياة، لا يخلو من محطات صعود وهبوط، ولا من تحديات واختلافات في وجهات النظر. لكن السنوات علمتني أن الكبار قد يقسون عليك أحيانًا بدافع الحرص على مصلحتك، وأن بعض المواقف التي قد لا نفهمها في مقتبل المشوار، نكتشف مع نضج التجربة أنها كانت تحمل لنا الكثير من الخير. فهناك دروس لا ندرك قيمتها إلا بعد مرور الوقت.

والتعلم من الأستاذ محمد سيف لا يقتصر على النصائح التي يقدمها لك، وإنما يمتد إلى ما يمكنك أن تتعلمه بمجرد تدقيق النظر في أخلاقه ومهنيته وطريقته في التعامل مع الناس والمواقف. فهو من الشخصيات التي يظهر فيها التميز دون ضجيج، ويتواجد حيث تكون المهنية هي المعيار، ويعرف جيدًا متى يتحدث ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام. لا تحسبه على هذا الجانب أو ذاك، ولا تجده أسيرًا لموقف أو حسابات عابرة، وإنما تحكمه قناعاته المهنية والأخلاقية، ولذلك ظل محتفظًا بمكانته واحترامه.

وأرى أن مجلة الأهرام الرياضي العريقة، التي أسسها الراحل العظيم الأستاذ إبراهيم حجازي في 3 يناير 1990، تشبه شجرة مثمرة غرسها ورعاها، حتى أثمرت وأينعت، وكان الأستاذ محمد سيف أحد أبرز من حافظوا عليها، وظل حارسًا لتاريخها وتقاليدها المهنية طوال هذه السنوات.

فالمؤسسات الصحفية العريقة لا تصنعها الأسماء وحدها، وإنما تصنعها الأجيال التي تتعاقب عليها، وتحافظ على روحها وتقاليدها، وتنقل خبراتها إلى من يأتي بعدها.

رحم الله الأستاذ إبراهيم حجازي، الأب الروحي لكل من انتمى إلى هذه المجلة العريقة، ورحم الله أغصان هذه الشجرة الذين غادرونا، وكانوا جزءًا من تاريخها وذكرياتها، ومن بينهم الأساتذة هاني رضا، وسعيد عيسى، ومرفت راشد، ومصطفى حسني، وأكرم يوسف، وخالد توحيد، وأنور عبد ربه. سيظل عطاؤهم حاضرًا في ذاكرة كل من عرفهم وعمل معهم.

وتعاقب على رئاسة تحرير مجلة الأهرام الرياضي عدد من القامات الصحفية، وصولًا إلى الأستاذ محمود صبري، رئيس التحرير الحالي، الذي يواصل قيادة المجلة والحفاظ على مكانتها، فيما يواصل الأستاذ محمد سيف أداء دوره مستشارًا للتحرير، محتفظًا بمكانته الخاصة لديّ ولدى كثير من الزملاء الذين عرفوا قيمته المهنية والإنسانية، وقدروا ما قدمه ويقدمه لأجيال من أبناء المجلة.

اليوم، وأنا أحتفل بثقة زملائي وانتخابي عضوًا بالمكتب التنفيذي لرابطة النقاد الرياضيين، لا أستطيع أن أفصل هذه اللحظة عن كل الذين أسهموا في تشكيل تجربتي المهنية، وكانوا حاضرين في محطات مهمة من رحلتي، وفي مقدمتهم أستاذي محمد سيف.

أستاذي العزيز.. شكرًا لأنك كنت جزءًا أصيلًا من رحلتي، وشكرًا لكل دعم ونصيحة وموقف، وشكرًا لأنك كنت حاضرًا في بداياتي، كما كنت حاضرًا في واحدة من أهم محطاتي المهنية.

فبعض الأشخاص لا تكفي الكلمات لوصف فضلهم، وبعض الأسماء تظل حاضرة في كل نجاح نحققه.

ولأن الوفاء ليس مجرد كلمات، وإنما اعتراف بفضل أصحاب الفضل.. أقولها من القلب: لولاك ما كنت هنا.

⇧