الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 09:23 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

إبراهيم. عمران يكتب. الجامعات محراب العلم ليس عزبة كفى إقصاء للكفاءات ومكافأة للولاءات

النهار نيوز

حين تصبح المناصب الجامعية أقرب إلى دوائر الثقة منها إلى ميادين الاستحقاق وحين تتراجع معايير الكفاءة أمام اعتبارات التقارب الشخصي فإن الأمر لا يعود مجرد خلل إداري بل يصبح جرس إنذار يستوجب وقفة جادة لحماية واحدة من أهم مؤسسات بناء الإنسان وصناعة المستقبل

فالجامعات ليست إقطاعيات خاصة ولا المناصب القيادية فيها مكافآت تمنح للمقربين ولا مقاعد المسؤولية امتيازات يحتكرها أصحاب النفوذ وإنما هي مؤسسات وطنية يجب أن تخضع فيها فرص القيادة لمعايير النزاهة والكفاءة والجدارة بعيدا عن العلاقات الشخصية والولاءات

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة ليس أن تفتقر إلى العقول بل أن تمتلك العقول ثم تغلق أمامها أبواب القيادة

ومن هنا نوجه نداء واضحا إلى وزير التعليم العالي لإعادة النظر في آليات اختيار القيادات الجامعية وفي مقدمتها عمداء الكليات ونواب رؤساء الجامعات وقيادات الجامعات الأهلية مع مراعاة الأطر القانونية المنظمة لكل منها وبما يضمن استقلال التقييم وعدالة المنافسة

ونضع أمام السيد الوزير مطلبا جوهريا نراه أساسيا لأي إصلاح حقيقي وهو استبعاد رئيس الجامعة من لجان اختيار القيادات التابعة له ومنحه أي سلطة للتصويت أو المفاضلة أو ترجيح مرشح على آخر

فكيف نضمن استقلال الاختيار إذا كان المسؤول الذي سيتولى المرشح العمل تحت قيادته طرفا في تقييمه أو ترجيحه وكيف نطمئن إلى تكافؤ الفرص إذا كان التقارب مع رئيس الجامعة قد يتحول إلى ميزة غير معلنة في المنافسة على المناصب القيادية

إن المشكلة ليست بالضرورة في نزاهة الأشخاص وإنما في طبيعة الآلية التي تسمح بتداخل السلطة الإدارية مع سلطة الاختيار فحتى مع افتراض حسن النوايا يظل وجود رئيس الجامعة داخل منظومة المفاضلة مصدرا محتملا لتضارب المصالح ويثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلال القرار

ولا يعني ذلك اتهام رؤساء الجامعات بالمحاباة أو التشكيك في نزاهتهم وإنما يعني أن العدالة المؤسسية لا ينبغي أن تعتمد على نزاهة الأشخاص وحدها بل على قواعد واضحة تمنع التأثير الشخصي وتحمي نزاهة الاختيار مهما تغيرت القيادات

ولا يمكن إنكار ما شهدته منظومة التعليم العالي من خطوات تنظيمية لتشكيل لجان اختيار القيادات الجامعية ولكن وجود اللجان لا يكفي لضمان استقلالها إذا ظل لرئيس الجامعة دور في رئاستها أو عضويتها أو التأثير في نتائجها

ولذلك فإننا ندعو إلى مراجعة القواعد المنظمة لتشكيل لجان الاختيار بما يكفل استبعاد رئيس الجامعة من أعمال التقييم والمفاضلة والتصويت وترجيح المرشحين وإسناد هذه المسؤولية إلى لجان مستقلة تضم خبراء أكاديميين وإداريين من خارج الجامعة المعنية مشهودا لهم بالكفاءة والخبرة والنزاهة

ومن حق رئيس الجامعة أن يوضح الاحتياجات المؤسسية وأولويات التطوير من خلال تقارير موضوعية ومعلنة دون المشاركة في تقييم المرشحين أو ترتيبهم أو التأثير في القرار النهائي

فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق بمجرد تشكيل لجنة وإنما بضمان ألا يكون لمن يملك السلطة الإدارية نفوذ على من يتولى تقييم المرشحين للقيادة

إننا لا نبحث عن نقل سلطة الاختيار من يد إلى أخرى وإنما نبحث عن منظومة لا يستطيع أي شخص مهما كان موقعه أن يوجه نتائجها بعيدا عن معايير الاستحقاق

كما أن استقلال لجان الاختيار يجب أن يقترن بمعايير معلنة وأوزان نسبية واضحة لتقييم الإنجاز العلمي والخبرة الإدارية والكفاءة القيادية والرؤية المستقبلية والقدرة على التطوير المؤسسي مع ضمان توثيق نتائج المفاضلة وإتاحة آليات مستقلة للتظلم ومراجعة الإجراءات

فالشفافية لا تعني فقط إعلان اسم الفائز بالمنصب وإنما أن يطمئن كل مرشح إلى أن فرصته خضعت لمنافسة عادلة وأن قرار الاختيار لم يتأثر بقربه من صاحب القرار أو اختلافه معه

ولا يستقيم أن نطالب أعضاء هيئة التدريس بالاجتهاد والتميز ثم نتركهم يتساءلون عما إذا كانت الكفاءة والخبرة والإنجاز كافية للوصول إلى مواقع المسؤولية أم أن الطريق إلى القيادة يمر أولا عبر كسب رضا المسؤول

إن إهدار فرصة كفاءة واحدة لا يعني خسارة شخص فحسب بل قد يعني حرمان مؤسسة كاملة من عقل قادر على التطوير ورؤية قادرة على التغيير وإدارة تستطيع تحويل الإمكانات المحدودة إلى نتائج ملموسة

والأخطر أن الشعور بغياب العدالة يضعف الثقة في منظومة الاختيار ويقتل الطموح لدى الكفاءات التي قد تجد نفسها أمام منافسة لا تتكافأ فيها الفرص

لا نريد تغيير الوجوه مع بقاء القواعد كما هي بل نريد إصلاحا يغير فلسفة الاختيار ويغلق أبواب المحاباة ويفتح الطريق أمام كل من يستحق

ونؤكد أن استبعاد رئيس الجامعة من اختيار القيادات التابعة له ليس انتقاصا من سلطاته أو مكانته وإنما ضمانة لحماية استقلال القرار وتعزيز الثقة في نزاهة الإجراءات والفصل بين سلطة الإدارة وسلطة التقييم

فالإدارة الرشيدة لا تقوم على تركيز السلطات وإنما على توزيع المسؤوليات ووجود ضمانات حقيقية للحياد والمساءلة

كما أن الإصلاح يجب ألا يتوقف عند لحظة الاختيار بل يمتد إلى تقييم أداء القيادات بعد توليها المسؤولية وفق مؤشرات واضحة تقيس الإنجاز والتطوير وجودة الإدارة وكفاءة استثمار الموارد

إننا أمام قضية وطنية لا تستهدف أشخاصا ولا تسعى إلى تصفية حسابات وإنما تدعو إلى إصلاح مؤسسي يحمي الجامعات من أي تأثيرات شخصية ويضمن وصول الأكثر كفاءة إلى مواقع القيادة

إن التاريخ لا يسجل عدد المناصب التي وزعت بل يسجل ما حققته القيادات من إنجاز وما تركته من أثر وما وفرته من فرص للأجيال الجديدة

فلتكن البداية بمراجعة آليات الاختيار واستبعاد رؤساء الجامعات من المفاضلة بين المرشحين لقيادة المؤسسات التابعة لهم حتى تصبح الجدارة وحدها أساس المنافسة وتتحقق العدالة بقوة النظام لا بحسن نوايا الأشخاص

فلتكن رسالتنا حاسمة

لا قداسة لمنصب ولا حصانة لآلية اختيار ولا أولوية لعلاقة شخصية على حساب الكفاءة

إن الجامعات المصرية تستحق أن تدار بالعقول لا بالمجاملات وبالإنجاز لا بالولاءات وبالعدالة لا بحسابات المصالح

فالجامعات ليست عزبة لأحد والعلم ليس ملكية خاصة والكفاءة ليست منحة يمنحها مسؤول لمن يشاء بل هي حق للمؤسسة وضرورة للوطن

وحماية هذا الحق تبدأ من منظومة اختيار مستقلة لا يكون فيها رئيس الجامعة صاحب سلطة إدارية وحكما في المنافسة على القيادة في الوقت نفسه

فتلك هي البداية الحقيقية لإصلاح يعيد للجدارة هيبتها وللجامعات استقلالها وللكفاءات ثقتها في عدالة الفرص

إبراهيم. عمران يكتب. الجامعات محراب العلم ليس عزبة كفى إقصاء للكفاءات ومكافأة للولاءات
⇧