الجمعة 2 أكتوبر 2026 06:41 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

محمد سليمان يكتب:المسلماني.. عندما تعشق البلاغة رجلًا!

النهار نيوز

يعيد ترتيب عقول مشاهديه لتواجه فوضى الكلمة التي تجتاح العالم اليوم، ويحصّنها ضد العواصف التي تحاول تزييف التاريخ وتشويه الحقائق، دون أن يرهق العقل السليم أو يثقل عليه. إنه أحمد المسلماني؛ أديب وكاتب وروائي وقاص استثنائي، جمع بين سحر البيان وعمق الوجدان، وتفرّد بجودة الفكر وقدرة نادرة على نسج خيوط متينة تربط بين العلم والأدب والسياسة والتاريخ.

دخل محراب الكلمة، فخرج منه كنهر عذب، عميق ومنهمر، يفيض فصاحة وبيانًا، ويوجه بوصلة جيل كامل نحو آفاق أرحب من العلم والمعرفة. فالمسلماني ليس مجرد إعلامي يجيد الحديث، ولا مجرد كاتب يمتلك أدوات اللغة، وإنما صاحب مشروع فكري جعل من الكلمة وسيلة للبحث والتأمل وإعادة قراءة الأحداث.

التاريخ عنده ليس صفحات مغلقة، والسياسة ليست مجرد أخبار عابرة، والعلم ليس عالمًا منفصلًا عن الإنسان؛ كل شيء لديه يبدو مترابطًا بخيط غير مرئي يصل الماضي بالحاضر، ويضع الحاضر أمام أسئلة المستقبل. ولذلك لم تكن الكلمة بالنسبة إليه مجرد وسيلة للتعبير، وإنما تحولت إلى مشروع فكري قائم بذاته؛ يستدعي التاريخ لفهم الحاضر، ويقرأ الحاضر بحثًا عن ملامح المستقبل.

وعندما تولى المسلماني رئاسة الهيئة الوطنية للإعلام بقرار جمهوري عام 2024، كان الانتقال كبيرًا من عالم الكتابة والإعلام والفكر إلى عالم المؤسسة، ومن مساحة يستطيع فيها الكاتب أن يطرح رؤيته بكلماته، إلى مساحة يصبح فيها تنفيذ الرؤية مرتبطًا بإمكانات وإجراءات وقرارات وتشابكات إدارية ومهنية بالغة التعقيد.

كانت التطلعات كبيرة، والآمال أكبر في أن يحمل الرجل معه إلى مبنى ماسبيرو روحًا جديدة، وأفكارًا مختلفة، ورؤية قادرة على استعادة جانب من بريق الإعلام المصري وريادته. فالإعلام المصري، بما يملكه من تاريخ طويل ومدرسة مهنية عريقة وكوادر وخبرات تراكمت عبر عقود، يستحق أن يستعيد حضوره وتأثيره ومكانته، وأن يواكب التحولات الهائلة التي شهدها العالم في صناعة الإعلام وتكنولوجيا الاتصال.

لكن الطموحات تصطدم أحيانًا بواقع أكثر تعقيدًا.

فمن السهل أن تضع تصورًا لإصلاح مؤسسة، لكن الأصعب أن تحوّل هذا التصور إلى واقع. ومن السهل أن تقول إن الإعلام يحتاج إلى التطوير، لكن السؤال الأكثر صعوبة هو: كيف يتم هذا التطوير؟ ومن أين يبدأ؟ وما الأدوات التي تسمح بتحويل الفكرة إلى مشروع قابل للتنفيذ؟

وتكشف تجربة المسلماني داخل الهيئة الوطنية للإعلام عن واحدة من أصعب المعضلات التي تواجه أصحاب المشاريع الفكرية عندما ينتقلون من عالم الأفكار إلى عالم المؤسسات؛ فالفكرة مهما كانت عظيمة تحتاج إلى أدوات تنفيذ قادرة على تحويلها إلى واقع ملموس.

فالبيروقراطية، وتراكم الأزمات، وتعقيدات العمل الإداري، وتعدد مستويات القرار، يمكن أن تتحول جميعها إلى حواجز أمام أي مشروع يسعى إلى التغيير والتطوير، مهما كانت وضوح الرؤية أو قوة الفكرة.

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تكفي البلاغة والفكرة والرؤية وحدها لإحداث التغيير؟

ربما لا.

فإصلاح مؤسسة إعلامية بحجم وتاريخ الإعلام المصري يحتاج إلى أكثر من قلم بارع أو رؤية مستنيرة؛ يحتاج إلى منظومة متكاملة، وإرادة تنفيذية، وأدوات حديثة، واستثمار حقيقي في التكنولوجيا والعنصر البشري، ومساحة واسعة للحركة، وقدرة على اتخاذ القرار، وسرعة في التنفيذ.

الإعلام في العالم لم يعد ينتظر أحدًا. فالمنصات الرقمية غيّرت قواعد اللعبة، والهاتف المحمول أصبح نافذة مفتوحة على العالم، والجمهور لم يعد ينتظر موعد نشرة الأخبار أو البرنامج المسائي حتى يعرف ما يحدث. المعلومة تصل إليه في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث، والصورة أصبحت تنافس الخبر، والفيديو القصير ينافس التقرير المطول، والمنصة الرقمية أصبحت في كثير من الأحيان بوابة الجمهور الأولى إلى المعرفة.

ومن هنا، فإن المؤسسات الإعلامية التقليدية أمام تحدٍ حقيقي: تطوير أدواتها، وإعادة صياغة علاقتها بالجمهور، والاستفادة من التكنولوجيا، وإعادة اكتشاف قدراتها البشرية، بدلًا من الاكتفاء بإدارة الواقع القديم بأدوات تنتمي إلى زمن مختلف.

ولعل التحدي الحقيقي أمام المسلماني ليس في قدرته على صياغة الأفكار، فهذه مساحة أثبت فيها حضوره منذ سنوات، وإنما في قدرته على تحويل تلك الأفكار إلى مشروعات وسياسات وواقع يلمسه العاملون والمشاهدون على حد سواء.

فالرجل الذي أجاد ترتيب الكلمات، وامتلك أدوات الحكاية والتاريخ، يجد نفسه أمام مهمة مختلفة تمامًا: إعادة ترتيب مؤسسة إعلامية كاملة.

وهذه، في النهاية، ليست معركة مع الكلمة، وإنما مع واقع متراكم يحتاج إلى شجاعة القرار، ووضوح الرؤية، وسرعة التنفيذ.

وربما تكمن المفارقة الأجمل في تجربة المسلماني في أن الرجل الذي قضى سنوات في محاولة ترتيب أفكار الناس، أصبح مطالبًا اليوم بترتيب مؤسسة كاملة.

وفي الكتابة يستطيع الكاتب أن يبدأ من النقطة التي يريدها، وأن يعود إلى الماضي، ويقفز إلى المستقبل، ويعيد صياغة الجملة حتى تبلغ غايتها. أما المؤسسة، فلها قوانينها وحساباتها وموظفوها وميزانياتها وقراراتها، ولها أيضًا تاريخها الذي لا يمكن القفز فوقه بسهولة.

ولهذا فإن تطوير الإعلام المصري لن يكون مسؤولية رجل واحد، مهما كانت قدراته، وإنما مسؤولية منظومة كاملة تؤمن بأن الإعلام صناعة استراتيجية، وأن امتلاك أدوات العصر أصبح ضرورة لا ترفًا، وأن الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والمحتوى هو الطريق إلى إعلام قادر على المنافسة والتأثير.

ويبقى المسلماني في قلب هذه المعادلة؛ الرجل الذي عشق البلاغة، وأجاد صناعة الجملة، وربط بين التاريخ والحاضر، وامتلك قدرة لافتة على تحويل المعرفة إلى حكاية، يجد نفسه أمام اختبار مختلف: هل يستطيع أن يحول أفكاره إلى واقع داخل مؤسسة بحجم وتاريخ ماسبيرو؟

السؤال لا تجيب عنه الكلمات، ولا تحسمه البلاغة، وإنما تجيب عنه الأيام، عندما تتحول الأفكار إلى واقع، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى إنجاز يراه الناس ويلمسون أثره.

عندها فقط يمكن أن نعرف ماذا يستطيع الرجل الذي أتقن صناعة الكلمة أن يفعل عندما يجد نفسه أمام مهمة صناعة التغيير.

فربما تكون أعظم قصص البلاغة ليست تلك التي تُكتب بالكلمات، وإنما تلك التي تُكتب بالإنجاز.

⇧