الجمعة 25 سبتمبر 2026 03:26 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

الجامعات الأهلية تحت المجهر.. من يحاسب على ازدواج المناصب والمكافآت؟

النهار نيوز

بقلم / إبراهيم عمران

في مؤسسات التعليم العالي، لا ينبغي أن تكون هناك منطقة رمادية بين ما يسمح به القانون وما يمنعه، ولا يجوز أن تتحول المناصب القيادية إلى مساحة مفتوحة للاجتهاد أو الاستثناء. فكل منصب له شروطه، وكل قرار له سنده، وكل جنيه يُصرف من أموال المؤسسة يجب أن يكون وراءه سند قانوني واضح ومستند يمكن مراجعته.

ومن هنا يفرض ملف الجامعات الأهلية عددًا من الأسئلة التي تستحق إجابات رسمية وحاسمة، خصوصًا فيما يتعلق بجمع بعض القيادات بين مواقع قيادية في الجامعات الحكومية والجامعات الأهلية، وما قد يترتب على ذلك من تداخل في الاختصاصات أو تضارب في المصالح أو آثار مالية وإدارية.

القضية ليست مرتبطة بشخص بعينه، وإنما بمبدأ عام: هل يسمح القانون بالجمع بين رئاسة جامعة حكومية وتولي منصب قيادي في جامعة أهلية في الوقت نفسه؟ وإذا كان هناك حظر أو قيود قانونية، فكيف تم التعامل مع الحالات التي قد تقع في نطاق هذا التعارض؟ ومن الجهة التي راجعت سلامة الوضع القانوني قبل استمرار شغل المنصب؟

هذه ليست أسئلة ترفيهية، لأن رئيس الجامعة يمتلك صلاحيات واسعة تتعلق بالقرارات الأكاديمية والإدارية والمالية، بينما شغل منصب قيادي آخر في مؤسسة تعليمية مختلفة يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل حول حدود الاختصاص، ومدى استقلال القرار، وكيفية منع تضارب المصالح

والأمر لا يتوقف عند مجرد شغل المنصب، وإنما يمتد إلى كل القرارات التي صدرت وكل الأموال التي تم صرفها خلال فترة تولي المسؤولية.

فإذا تبين من خلال مراجعة قانونية أن هناك إشكالًا في الجمع بين منصبين، فلابد من معرفة الموقف القانوني من القرارات التي صدرت خلال تلك الفترة، وهل تمت مراجعتها من الجهات المختصة، وهل كان مصدر القرار يملك قانونًا سلطة إصداره، أم أن الأمر يحتاج إلى إعادة فحص وتدقيق.

ثم نصل إلى الملف المالي، وهو الأكثر حساسية، فأي رئيس أو قيادي في جامعة يتقاضى راتبًا أو مكافآت أو حوافز أو بدلات أو مخصصات مالية، يجب أن يكون الصرف مستندًا إلى قواعد قانونية وقرارات معتمدة وأعمال ومهام محددة.

وهنا يحق للرأي العام أن يسأل: كم تبلغ قيمة ما يحصل عليه شاغلو هذه المناصب؟ ومن أين تأتي هذه الأموال؟ ومن اعتمدها؟ وهل تمت مراجعتها ماليًا وقانونيًا؟

كما أن أي معلومات أو مستندات تتحدث عن توجيه مكافآت أو مخصصات إلى أشخاص تربطهم علاقات معرفة أو صلة بالمسؤول يجب، إذا كانت صحيحة ومؤيدة بالمستندات، أن تخضع لفحص رسمي مستقل؛ لأن المال المخصص للمؤسسة التعليمية لا يجوز أن يصبح مجالًا للمجاملة أو المحاباة، ولا بد أن يكون معيار الحصول عليه هو العمل والاستحقاق واللوائح.

والأهم أن تكون هناك آلية واضحة لمراجعة المكافآت والمخصصات، بحيث لا يصبح المسؤول هو صاحب القرار المطلق في تحديد ما يحصل عليه هو أو من يعملون تحت إشرافه، دون رقابة أو مراجعة مستقلة.

وهنا يأتي دور وزارة التعليم العالي والجهات الرقابية والقانونية المختصة. فإذا كانت هناك حالات تثير علامات استفهام بشأن الجمع بين المناصب أو القرارات أو المكافآت، فإن تركها دون حسم لا يخدم الجامعات ولا القيادات نفسها. والمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة، وإنما تشكيل لجان قانونية ومالية محايدة لفحص المستندات والقرارات وأوجه الصرف، ثم إعلان النتيجة وفقًا للقانون.

فإذا كانت الأمور سليمة، فإن إعلان سلامتها بعد مراجعة رسمية يضع حدًا لأي جدل، ويحمي المسؤول والمؤسسة في الوقت نفسه. وإذا كانت هناك مخالفات، فإن اكتشافها وتصحيحها وتحديد المسؤولية عنها هو الطريق الطبيعي لاحترام القانون وحماية المال.

فالرقابة ليست إدانة، والمراجعة ليست تشهيرًا، والمساءلة ليست انتقاصًا من مكانة الأستاذ الجامعي أو القيادي الأكاديمي. بل إن المؤسسات الكبرى لا تخشى المراجعة، وإنما تستمد قوتها من قدرتها على تصحيح أي خلل وإعلان الحقيقة.

والجامعات الأهلية تحديدًا تحتاج إلى أعلى درجات الانضباط؛ لأنها جزء أساسي من منظومة التعليم العالي، ولأن ما يصدر عنها من قرارات مالية وإدارية وأكاديمية يجب أن يخضع لمعايير واضحة، بعيدًا عن تضارب المصالح أو ازدواجية المعايير.

ولا يجوز أن يكون هناك معيار لتطبيق القانون على أستاذ أو موظف، ومعيار آخر عندما يتعلق الأمر بقيادة جامعية كبيرة. القانون واحد، واللوائح واحدة، والمال محل الرقابة واحد، والمسؤولية لا تتغير بتغير الموقع.

ومن ثم، فإن المطلوب فتح ملف واضح ومحدد: مراجعة قانونية لكل حالات الجمع بين المناصب القيادية في الجامعات الحكومية والأهلية، وفحص قرارات التكليف، وتحديد مدى قانونيتها، ومراجعة الرواتب والمكافآت والحوافز والبدلات، والتأكد من أوجه صرفها، وفحص أي ادعاءات موثقة بشأن استفادة أشخاص من مخصصات دون سند أو استحقاق.

وإذا أسفرت المراجعة عن سلامة الإجراءات، فلتعلن النتيجة بوضوح. وإذا كشفت عن مخالفات، فليُطبق القانون على الجميع دون استثناء، مع اتخاذ ما يلزم بشأن القرارات والأموال وفقًا لما تقرره الجهات القانونية والرقابية.

في النهاية، القضية ليست معركة ضد أشخاص، وإنما دفاع عن هيبة القانون وهيبة الجامعة وحماية المال.

فلا أحد فوق المراجعة، ولا أحد فوق المساءلة، ولا ينبغي أن تكون هناك حصانة وظيفية تمنع السؤال.

والسؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: من يراجع قيادات الجامعات الأهلية؟ ومن يفحص قراراتهم ومكافآتهم؟ ومن يحسم قانونية الجمع بين رئاسة الجامعة الحكومية والجامعة الأهلية؟ ومتى تتحرك الوزارة لوضع نهاية قاطعة لهذه التساؤلات؟

ففي التعليم كما في المال العام، لا يكفي أن نقول إن كل شيء على ما يرام؛ المطلوب أن تثبت الوثائق أن كل شيء تم وفقًا للقانون.

الجامعات الأهلية تحت المجهر.. من يحاسب على ازدواج المناصب والمكافآت؟
⇧