الجمعة 25 سبتمبر 2026 01:10 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

منوعات وتنمية بشرية

«أسرى الشاشات وصانعو الوعي: كيف نستعيد إنسانيتنا وحقنا في الحقيقة من طغيان الخوارزميات؟»

النهار نيوز

بقلم : د. طراد علي بن سرحان الرويس
في زمنٍ تتسارع فيه الخوارزميات بأسرع من نبضات القلوب، وتفقد فيه الأفكار عمقها تحت وطأة التدفق اليومي الهائل للبيانات، لم يعد السؤال الذهبي الذي يشغل بال المجتمعات هو كيف نصل إلى المعلومة؟ بل أصبحت القضية الوجودية الكبرى والأكثر إلحاحًا هي كيف ننجو من طغيان هذا التدفق؟ وكيف نحافظ على استقلال أفكارنا، وصفاء عقولنا، وإنسانيتنا ذاتها في عالمٍ رقميٍّ مصمم بدقة ليعيد تشكيل وعينا، ورسم حدود أحلامنا، وصياغة رغباتنا قبل حتى أن نعيها؟
حين نتأمل مشهدنا المعاصر بعين الفاحص المتأمل، ندرك تمامًا أننا لسنا اليوم في صراعٍ على الوصول إلى المعرفة، بل نغرق في فائضٍ معلوماتيٍّ مهول يُفقدنا القدرة على التمييز، وعلى التفكير الهادئ المتأني، وعلى أن نبقى بشرًا نملك زمام أفعالنا لا مجرد كائنات تكتفي بردود الأفعال اللحظية.
تتجلى هذه المشكلة العميقة في ملامح واضحة تعصف بكياننا المجتمعي والنفسي، أول هذه الملامح ما يمكن تسميته بـ "العبودية الناعمة"، والمتمثلة في الإدمان الممنهج على الشاشات، واستسلام المزاج العام لسطوة "الترند" العابر، واستبدال التأمل الفكري العميق برد الفعل العاطفي السريع الذي تكفئه المنصات وتغذيه.
وفي الوقت ذاته، تبتلعنا "غرف الصدى" الافتراضية؛ حيث تتولى الخوارزميات المصممة لإرضاء المستخدم محاصرته فقط بما يوافق هواه وانحيازاته، مما يؤدي إلى عزلة فكرية مخيفة، وتسطيح للحوار، وتأجج غير مسبوق في الاستقطاب المجتمعي، إذ لم يعد الناس تحاور لتعلم، بل لتصارع وتنتصر لرأيها المسبق، ولا يتوقف الأمر عند حدود العزلة والاستقطاب، بل يمتد ليشمل "هشاشة الحقيقة ذاتها".
ففي زحمة المنصات، يصبح التضليل الكاذب أسرع انتشارًا من الحقيقة الموثقة، ويأتي التزييف العميق ليخلط الوهم بالواقع في ثوانٍ معدودات، مما يضعف ثقة الإنسان بكل ما يراه ويسمعه، يرافق كل ذلك "انقلاب جذري في المرجعيات"؛ إذ تراجع الدور التاريخي والتربوي للأسرة والمدرسة والمؤسسات الفكرية الرصينة، ليحل محلها "المؤثر الرقمي" والمشهد المقتطع الذي يقيس قيمة الفكرة بعدد مشاهداتها وإعجاباتها لا بعمقها الأخلاقي وأثرها الحقيقي، والنتيجة الحتمية لكل هذا ليست مجرد اختلافٍ صحي في الأفكار، بل مجتمعٌ أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للتلاعب بالعاطفة لحساب ما يُعرف اليوم بـ "اقتصاد المراقبة".
إن مواجهة هذا الطغيان الرقمي لا يمكن أن تتحقق بالدعوة الوهمية إلى الهروب من التقنية أو مقاطعة الشاشات تمامًا؛ فهذا خيار طوباوي يعزلنا عن العصر ومستجداته، إن الحل الحقيقي والجذري يكمن في "هندسة الوعي"، وهو مفهوم عملي يهدف إلى بناء منظومة فكرية وتربوية مجتمعية ترفع الفرد العربي من موقع المستهلك المستدرَج إلى موقع المواطن الناقد والبصير والمنتج.
وهذا التحول المنشود يتطلب تدخلاً متكاملاً على عدة جبهات متزامنة:
على صعيد الأسرة والنطاق الضيق، تبدأ المعركة من البيت عبر إرساء ميثاق عائلي للشاشات يفرض أوقاتًا يومية خالية تمامًا من الهواتف، وخاصة أوقات الطعام وما قبل النوم، إلى جانب ترسيخ قاعدة ذهبية بسيطة لكل فرد قبل إعادة النشر: "توقف – تحقق – شارك"، وتوعية النشء بطبيعة الاستدراج العاطفي الممنهج الذي تعتمد عليه التطبيقات لجذب انتباههم.
أما على صعيد المنظومة التعليمية، فلم يعد كافيًا تعليم الطلاب كيفية استخدام التطبيقات والبرامج التقنية، بل أصبحت الضرورة القصوى تقتضي إدراج مادة أساسية في المناهج تحت اسم "التفكير النقدي الرقمي"، يجب أن يتعلم الأبناء في المدارس والجامعات مهارات التحقق العملي من الأخبار، وفهم آليات تحيز الخوارزميات ومعرفة سبب ظهور محتوى معين لهم في لحظة محددة، فضلاً عن استيعاب أخلاقيات النشر والخصوصية وخطاب الكراهية.
وفي قطاع الإعلام وصناعة المحتوى، لابد من انتقال المؤسسات الإعلامية والمنصات من فخ "اقتصاد الإثارة والضجيج" إلى رحاب "اقتصاد الثقة"، وذلك عبر إنشاء وحدات تحقق مرئية سريعة، والاعتراف العلني بالخطأ وتصحيحه، والحد من العناوين الاستفزازية المضللة لصالح المحتوى العميق والشرح التحليلي الذي يبني وعيًا حقيقيًا.
وأخيرًا، على مستوى التشريع والجهات التنظيمية، تفرض الحاجة الملحة ضرورة سن قوانين ومواثيق شفافة تُلزم المنصات الرقمية بوضوح الإعلانات والمحتوى الممول، وتوفير حماية أقوى لخصوصية المستخدمين، وتقليل التتبع السلوك الممنهج، مع إيجاد آليات قانونية رادعة وسريعة لمواجهة التزييف العميق الضار وحملات التشهير المنظمة.
إن الآلات والذكاء الاصطناعي، مهما بلغت من دقة وقدرة على معالجة ملايين البيانات في أجزاء من الثانية، لن تملك يومًا القدرة على الحب، أو التضحية، أو الإبداع الحر، أو البحث العميق عن المعنى الروحي والوجودي، ومهمتنا التاريخية اليوم ليست إيقاف عجلة الزمن، بل منع هذا الزمن الرقمي من أن يوقف إنسانيتنا.
إن بناء "هندسة الوعي" ليس سجنًا فكريًا جديدًا، بل هو طوق النجاة وبوابة التحرر الكبرى؛ كي نمسك نحن بزمام التقنية بدلاً من أن تمسك هي بنا، ولنجعل من هذه الشاشات نوافذ نطل منها على العالم لنبني ونضيف، لا جدرانًا سميكة تحبسنا في قاع السطحية والتشتت.
ومن هنا يبقى السؤال مطروحًا أمام الجميع لتحويل القلق إلى فعل: كيف نبدأ اليوم قبل الغد في استعادة إنسانيتنا وتمهلنا وحقنا الأصيل في الحقيقة؟

⇧