الأحد 17 مايو 2026 12:15 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

علم القراءات.. ميراثٌ متصل بنور الوحي

النهار نيوز

بقلم الدكتورة/ نعمة عز الدين4

يُعدّ علم القراءات من أجلِّ العلوم الشرعية وأشرفها؛ إذ يتعلق بكلام الله تعالى، ويُعنى بكيفية أداء الكلمات القرآنية ونطقها، وبيان أوجه الاختلاف فيها، مع اتصال سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد حفظ الله تعالى هذا العلم برجالٍ أفذاذ، حملوا القرآن جيلاً بعد جيل، وتلقّوه بالسماع والمشافهة، حتى وصل إلينا غضًّا طريًّا كما نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قام بهذا العلم أئمة أعلام، أجمعت العامة والخاصة على إمامتهم في القراءة، وتمسكوا بمذاهبهم، فنُسبت إليهم القراءات نسبة شهرة لا نسبة إنشاء وابتداء، لأن الأصل فيها جميعًا التلقي عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

ويؤكد الإمام ابن مجاهد في كتابه السبعة في القراءات أن القراءة التي استقر عليها أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، إنما هي القراءة التي تلقوها عن علمائهم الأولين، وتولاها في كل مصر إمام أخذ عن التابعين، وأجمعت الأمة على قراءته وسلوك طريقه والتمسك بمذهبه.

وقد أجمع العلماء على أن قراءة القرآن سنة متبعة، يتلقاها اللاحق عن السابق، لا مجال فيها للاجتهاد المجرد أو الرأي الشخصي، بل تعتمد على الرواية الصحيحة المتصلة. وفي هذا المعنى قال الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه: “القراءة سنة، فاقرؤوه كما تجدونه”.

ومن هنا نشأت طبقات القرّاء جيلاً بعد جيل، فتلقوا الأحرف والقراءات المتواترة بالسند المتصل، وظهرت الروايات والطرق والأوجه، وهي المصطلحات التي تشكل البناء العلمي لهذا الفن العظيم.

فكل ما نُقل عن الإمام يُسمى “رواية”، وما علّمه الإمام لأصحابه يُعرف بـ“القراءة”، أما ما تفرع من الرواية من أوجه الأداء وكيفيات النقل فيُسمى “الطريق”، وكل ذلك قائم على الإسناد الدقيق المتصل، الذي حفظ الله به كتابه الكريم عبر العصور.

وقد نبغ في هذا العلم رجال عظام، انقطعوا لخدمة القرآن الكريم، ووهبوا أعمارهم لحفظه وتعليمه ونشر علومه، فكانوا بحق حراسًا للوحي، يعيشون مع كتاب الله روحًا وعلمًا وعبادة. أخلصوا النية، واجتهدوا في الطلب والتعليم، فخلّد التاريخ أسماءهم، وبقي أثرهم ممتدًا إلى يومنا هذا.

ومن أبرز هؤلاء الأعلام الإمام أبو عمرو الداني صاحب كتاب التيسير، الذي جمع فيه القراءات السبع بأسلوب علمي دقيق، جامعًا بين الرواية والإسناد والتحرير. وقد أثنى عليه الإمام ابن الجزري ثناءً عظيمًا، مشيرًا إلى سعة علمه وكثرة شيوخه وتلاميذه، ورحلاته الواسعة في طلب العلم شرقًا وغربًا.

كما يبرز اسم الإمام الشاطبي الذي قدّم للأمة الإسلامية منظومته الشهيرة المعروفة بـ“الشاطبية”، وهي قصيدة لامية بلغت أبياتها 1173 بيتًا، نظم فيها القراءات السبع المتواترة عن الأئمة: نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي.

وتُعد الشاطبية من أعظم ما أُلّف في علم القراءات نظمًا وأدبًا، لما امتازت به من عذوبة الألفاظ، وقوة السبك، وروعة المعاني، وحسن التوجيه والإرشاد، فضلًا عن قيمتها العلمية الكبرى في جمع أصول القراءات المتواترة بأسلوب شعري بديع حفظه الطلاب والعلماء عبر القرون.

وهكذا يبقى علم القراءات شاهدًا حيًّا على عظمة هذا الدين، ودقة حفظ القرآن الكريم، وعناية الأمة الإسلامية بكتاب ربها لفظًا وأداءً ونطقًا، ليظل القرآن الكريم محفوظًا كما أنزل، تتناقله الصدور قبل السطور، جيلاً بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

علم القراءات.. ميراثٌ متصل بنور الوحي