الجمعة 25 سبتمبر 2026 09:40 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

الحوارات

سفير الدنمارك بالقاهرة: مصر شريك استراتيجي وعلاقاتنا تدخل مرحلة جديدة

النهار نيوز

أجرى الحوار: جودة أبو النور

في مقر سفارة مملكة الدنمارك بالقاهرة، كان الحوار مع السفير لارس بو مولر، سفير الدنمارك لدى مصر، فرصة للحديث عن مسار العلاقات المصرية الدنماركية وآفاقها خلال المرحلة المقبلة، في ظل شراكة استراتيجية شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة.

وأكد السفير الدنماركي، خلال الحوار، أن العلاقات بين القاهرة وكوبنهاجن تستند إلى تاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية التي بدأت عام 1922، لكنها تشهد اليوم مرحلة جديدة تتسم باتساع مجالات التعاون، من السياسة والاقتصاد والاستثمار، إلى الطاقة والتحول الأخضر والهجرة والشباب والثقافة.

وتكتسب هذه الشراكة زخمًا خاصًا منذ الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الدنمارك في ديسمبر 2024، والتي شهدت توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وإطلاق مجلس الأعمال المصري الدنماركي.

وفي الحوار التالي، يتحدث السفير لارس بو مولر عن مستقبل العلاقات بين البلدين، والدور المصري في استراتيجية الدنمارك لأفريقيا، وفرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي، ومشروعات الطاقة والتحول الأخضر، إلى جانب ملفات الهجرة والشباب والثقافة.

بداية، كيف تصفون العلاقات المصرية الدنماركية في المرحلة الحالية؟

العلاقات بين الدنمارك ومصر راسخة ومتنامية، وتستند إلى أكثر من قرن من العلاقات الدبلوماسية. وخلال السنوات الأخيرة، اتسعت هذه العلاقة لتشمل مجالات عديدة، من الحوار السياسي والتجارة والاستثمار إلى التحول الأخضر والعمل المناخي والثقافة والتواصل بين الشعبين.

وننظر إلى مصر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا للدنمارك وللاتحاد الأوروبي، كما أن الدور الإقليمي لمصر يجعلها شريكًا أساسيًا في التعامل مع العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

شهدت العلاقات خلال السنوات الأخيرة زيارات رفيعة المستوى.. كيف انعكست على الشراكة بين البلدين؟

كانت هناك محطات مهمة أسهمت في إعطاء العلاقات دفعة قوية.

ففي مارس 2023، قامت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن بزيارة رسمية إلى مصر، والتقت الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، وتركزت المباحثات على التحول الأخضر والتجارة والاستثمار والأمن الإقليمي والهجرة والتداعيات الجيوسياسية للحرب في أوكرانيا.

ثم جاءت الزيارة التاريخية للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الدنمارك يومي 6 و7 ديسمبر 2024، وهي أول زيارة لرئيس مصري إلى الدنمارك.

والزيارة كانت مهمة للغاية، حيث التقى الرئيس السيسي الملك فريدريك العاشر ورئيسة الوزراء مته فريدريكسن وعددًا من أعضاء البرلمان الدنماركي، وتم توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية وعدد من مذكرات التفاهم.

كما كانت زيارة الملكة ماري إلى القاهرة في نوفمبر 2025 للمشاركة في افتتاح المتحف المصري الكبير محطة مهمة، وعكست قوة العلاقات الثقافية والإنسانية بين البلدين.

ماذا تمثل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين مصر والدنمارك؟

تمثل الاتفاقية أساسًا قويًا لتعميق العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين البلدين.

وتشمل مجالات التعاون الطاقة الخضراء والتحول الأخضر والنقل البحري والشحن والرعاية الصحية والمياه والغذاء والزراعة والبنية التحتية المستدامة والتحول الرقمي.

والهدف هو الانتقال من العلاقات السياسية القوية إلى مزيد من المشروعات العملية التي تحقق المنفعة المتبادلة وتخلق فرصًا للنمو والاستثمار والعمل في البلدين.

الدنمارك أطلقت استراتيجية جديدة لأفريقيا.. ما موقع مصر في هذه الاستراتيجية؟

أطلقت الدنمارك في أغسطس 2024 استراتيجية “قرن أفريقيا”، وهي تمثل توجهًا جديدًا وأوسع نطاقًا لانخراط الدنمارك مع القارة.

تركز الاستراتيجية على الشراكات المتكافئة والتجارة والاستثمار والتحول الأخضر والتكنولوجيا والابتكار والسلام والأمن والتعليم والتبادل الثقافي.

وقد تم تحديد مصر، إلى جانب نيجيريا وغانا وكينيا، لتعزيز الحضور الدبلوماسي الدنماركي فيها، بحيث تعمل هذه السفارات كمراكز إقليمية لانخراط الدنمارك مع القارة الأفريقية.

ومصر مهمة للغاية في هذا السياق، وهو ما انعكس في تعزيز فريق السفارة وإضافة أدوار سياسية واقتصادية جديدة.

كيف تنظرون إلى فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري بين مصر والدنمارك؟

نرى فرصًا كبيرة للتعاون. نحن نعمل على بناء شراكة متنامية تحقق المنفعة المتبادلة، وتخلق فرصًا للنمو والاستثمار والعمل في كلا البلدين.

كما نعمل على تطوير مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية، بحيث لا يقتصر الأمر على الترويج التجاري، وإنما يربط بين التعاون الإنمائي والانخراط التجاري، ويساعد على حشد الشراكات والخبرات والتمويلات.

ومن الأمثلة المهمة على ذلك مجلس الأعمال المصري الدنماركي، الذي أُطلق خلال زيارة الرئيس السيسي إلى الدنمارك عام 2024.

ويضم المجلس حاليًا نحو 30 شركة، منها 17 شركة دنماركية و12 شركة مصرية، ويشكل منصة مهمة لتعزيز التعاون بين القطاع الخاص في البلدين.

ما القطاعات التي تحظى بالأولوية في التعاون الاقتصادي؟

هناك قطاعات عديدة، من بينها الرعاية الصحية والزراعة والغذاء والمياه والطاقة والنقل البحري والبنية التحتية والتحول الأخضر.

في مجال الرعاية الصحية، استضافت السفارة مؤخرًا أول وفد دنماركي متخصص في القطاع يزور مصر منذ أكثر من عقد، وبدأنا في رؤية نتائج ملموسة.

فقد أطلقت شركة Contura الدنماركية علاجًا جديدًا لخشونة الركبة في مصر، وهو أول إطلاق لها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما أنشأت حضورًا محليًا من خلال شريك وموظفين مصريين.

ونستعد أيضًا لتنظيم بعثة تجارية متخصصة في قطاعي الزراعة والغذاء خلال أكتوبر 2026.

هل هناك نماذج أخرى ناجحة للاستثمارات والشركات الدنماركية في مصر؟

نعم، هناك عدد من قصص النجاح.

في مجال الأمن الغذائي، قامت شركة Aller Aqua بتوسيع مصنعها في مدينة السادس من أكتوبر، وأصبحت مصر أكبر وحدة إنتاج للشركة على مستوى العالم.

كما قامت شركة Cimbria بتوريد 23 منشأة لتخزين الحبوب في أنحاء مختلفة من مصر.

وفي مجال التصنيع المحلي، يتم إنتاج Sun-Top في مصر من خلال شركة SoudanCoro، وهي شراكة بين شركة Soudanco المصرية وشركة CORO الدنماركية.

وفي قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية، تتمتع شركة Maersk، من خلال APM Terminals، بحضور كبير في مصر، حيث شهدت محطة الشركة في شرق بورسعيد توسعة استثمارية بقيمة 500 مليون دولار، رفعت الطاقة الاستيعابية إلى 7 ملايين حاوية سنويًا، مع توفير أكثر من ألف فرصة عمل جديدة.

ماذا عن التعاون في مجال الطاقة والتحول الأخضر؟

التعاون بين الدنمارك ومصر في مجال الطاقة يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما دعمت الدنمارك إعداد أول أطلس للرياح في مصر بالتعاون مع مختبر ريسو الوطني.

واليوم نركز على دعم استراتيجية الطاقة المصرية والانتقال إلى منظومة كهرباء أكثر نظافة ومرونة وموثوقية.

الدنمارك تمتلك خبرة طويلة في التحول في قطاع الطاقة، ولذلك فإن ما يمكن أن نقدمه لمصر لا يقتصر على التكنولوجيا، وإنما يشمل الخبرة في التخطيط والتنظيم وتصميم سوق الكهرباء بما يسمح باستيعاب المزيد من الطاقة المتجددة مع الحفاظ على أمن الإمدادات.

كما نعمل على بناء قدرات المؤسسات المصرية وتطوير الأدوات اللازمة للتخطيط طويل الأجل لقطاع الطاقة.

ومنذ عام 2020، تم تقديم أكثر من 100 زمالة لمسؤولين وخبراء مصريين في قطاع الطاقة.

كما تعهد صندوق Impact Fund Denmark بتقديم قرض ميسر يصل إلى 100 مليون يورو ضمن برنامج “محور المياه والغذاء والطاقة”، لدعم استثمارات تهدف إلى تعزيز شبكة نقل الكهرباء في مصر.

الهجرة أحد الملفات المهمة في العلاقات مع أوروبا.. كيف تتعاون الدنمارك مع مصر؟

تتعاون الدنمارك ومصر في إطار مذكرة تفاهم بشأن الهجرة، تركز على بناء القدرات وتعزيز المؤسسات المعنية بإدارة الهجرة ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية.

ومن خلال البرنامج الإقليمي الدنماركي لحوكمة الهجرة، نعمل على تعزيز إدارة الهجرة بشكل أكثر أمانًا وانتظامًا وقائمًا على حقوق الإنسان.

كما ندعم مصر في عملية الانتقال إلى نظام وطني للجوء بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى جانب دعم المنظمة الدولية للهجرة في جمع وتحليل بيانات الهجرة وتعزيز القدرات المتعلقة بمكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.

ماذا تقدم الدنمارك للشباب المصري؟

الشباب يمثلون أولوية مهمة في التعاون الدنماركي المصري.

ومن خلال برنامج الشراكة الدنماركية العربية، تركز المرحلة الحالية، الممتدة من 2022 إلى 2027، على الشباب والحوكمة الرشيدة وخلق فرص العمل.

وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة بلان إنترناشيونال مصر، ندعم مشروعات في مجالات إدماج الشباب وتنمية مهارات الحياة ودعم الشركات الناشئة وتحسين ظروف سوق العمل.

وخلال هذه المرحلة، تم توفير أكثر من 7 آلاف فرصة عمل جديدة في مصر، من بينها عدد كبير من الوظائف الخضراء.

كما أطلقنا برنامج القاهرة للتدريب على فنون الطهي، الذي يستهدف 200 شاب وشابة، بهدف تزويدهم بالمهارات والخبرة العملية اللازمة لدخول سوق العمل في قطاع الضيافة.

وماذا عن التعاون الثقافي بين البلدين؟

الثقافة تمثل جسرًا مهمًا بين الشعبين المصري والدنماركي.

السفارة تدعم الموسيقى الكلاسيكية والفنون الأدائية والبصرية والأدب والموسيقى المعاصرة، كما نعمل على تعزيز التبادل المهني وبناء القدرات وإقامة شراكات طويلة الأمد.

وفي عام 2026، ننفذ برنامجًا في التصوير الصحفي بالتعاون مع Photopia والمدرسة الدنماركية للإعلام والصحافة، إلى جانب برامج للزيارات والتبادل الثقافي في مجالات علم الآثار والفنون والهندسة المعمارية والصناعات الإبداعية.

وفي أغسطس 2026، جرت أول زيارة إلى الدنمارك ضمن هذا البرنامج، وركزت على علم الآثار، في إطار التعاون المتنامي بين جامعة آرهوس وشركائها المصريين.

كيف تساهم مبادرة الحوار الدنماركي المصري في دعم الشباب والتحول الأخضر؟

مبادرة الحوار الدنماركي المصري كانت منصة للتعاون بين البلدين لأكثر من 20 عامًا، ودخلت مرحلة جديدة في عام 2025.

تركز المرحلة الحالية، التي تمتد من 2025 إلى 2028، على ابتكار الشباب والتحول الأخضر من خلال التصميم المستدام، وتعزيز الوعي البيئي والممارسات الخضراء لدى الشباب، والحوار الشبابي حول المناخ والسلام والأمن.

ونريد أن تصبح المبادرة مختبرًا للابتكار يربط الشباب والمبتكرين والخبراء والمؤسسات في مصر والدنمارك، لتبادل المعرفة والعمل على حلول عملية للتحديات المرتبطة بالمناخ والاستدامة.

وماذا عن استوديو الدنمارك للدراسات والثقافة في مصر؟

تأسس “استوديو الدنمارك للدراسات والثقافة في مصر” عام 2024، وهو يمثل مساحة مهمة للباحثين والفنانين الدنماركيين للعمل في مصر والتفاعل مع السياق المحلي.

ويستضيف الاستوديو المعارض والمحاضرات وورش العمل والندوات البحثية، ويسهم في تعزيز التعاون الأكاديمي والثقافي بين البلدين.

في ختام الحوار.. كيف تتطلعون إلى مستقبل العلاقات المصرية الدنماركية؟

لدينا أساس قوي جدًا نبني عليه. العلاقات الدبلوماسية بين مصر والدنمارك تمتد لأكثر من مائة عام، والشراكة الاستراتيجية التي وقعناها عام 2024 فتحت مجالات جديدة للتعاون.

نحن نتطلع إلى مواصلة البناء على هذه العلاقات من خلال تعزيز التجارة والاستثمار والطاقة والتحول الأخضر والرعاية الصحية والغذاء والمياه والشباب والثقافة.

كما أن تعزيز الدور الإقليمي للسفارة الدنماركية في القاهرة يمنحنا فرصة أكبر للعمل مع مصر وشركائنا في المنطقة.

والهدف هو تطوير شراكة عملية ومستدامة تحقق المنفعة المتبادلة، وتحول العلاقات السياسية والتاريخية القوية بين مصر والدنمارك إلى مزيد من المشروعات والاستثمارات وفرص العمل والتعاون بين الشعبين.

⇧