الجمعة 18 سبتمبر 2026 06:27 مـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

جودة أبو النور يكتب: خالد فودة.. الجنرال الذي اختار الميدان طريقًا للتنمية

النهار نيوز

رحلة مسؤول بدأت من القوات المسلحة، ومرت بالأقصر وجنوب سيناء، لتصل إلى التنمية المحلية والرياضة والهوية الوطنية

ليست كل السير الذاتية لمسؤولي الدولة مجرد تسلسل للمناصب والانتقالات الوظيفية. أحيانًا تكشف الرحلة المهنية عن شخصية تتشكل ملامحها عبر محطات مختلفة، لكنها تحتفظ بخيط واحد يربط بينها.

وهذا الخيط في تجربة اللواء أركان حرب الدكتور خالد فودة يبدو واضحًا: الميدان أولًا، والعمل التنفيذي ثانيًا، والنتيجة الملموسة معيارًا للحكم على التجربة.

من القوات المسلحة إلى المحافظات، ومن الأقصر إلى جنوب سيناء، ثم إلى موقع مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، امتدت رحلة طويلة جمعت بين العمل العسكري والتنفيذي والتنمية والسياحة والرياضة والاهتمام ببناء الإنسان والهوية الوطنية.

من سلاح المدرعات إلى قيادة الدفاع الشعبي والعسكري

بدأ خالد فودة مسيرته العسكرية بعد تخرجه في الكلية الحربية عام 1976 برتبة ملازم، وتدرج داخل القوات المسلحة في مواقع متعددة بسلاح المدرعات.

تولى رئاسة عمليات لواء مدرع، وقاد كتيبة دبابات، ثم شغل منصب رئيس أركان لواء مدرع وقائد لواء مدرع، ورئيس أركان فرقة مدرعة، وعمل في فرع التخطيط بهيئة عمليات القوات المسلحة، قبل أن يتولى قيادة فرقة مدرعة ومدير معهد المدرعات، وصولًا إلى قيادة قوات الدفاع الشعبي والعسكري.

هذه المسيرة العسكرية لم تكن مجرد مرحلة سابقة في حياته، وإنما شكلت جانبًا من طريقة تفكيره في الإدارة؛ حيث يرتبط العمل الميداني بالتخطيط، ويرتبط القرار بالمتابعة، وتتحول المسؤولية في النهاية إلى نتائج يمكن قياسها.

الأقصر.. بداية التجربة التنفيذية

في يناير 2011 انتقل خالد فودة من المؤسسة العسكرية إلى العمل التنفيذي محافظًا للأقصر، في مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.

لم تستمر التجربة طويلًا، إذ تولى مسؤولية محافظة جنوب سيناء في يوليو من العام نفسه، لكن محطة الأقصر كانت بمثابة البوابة الأولى إلى عالم الإدارة المحلية والتعامل المباشر مع المواطنين والقطاعات الخدمية والسياحية والتنموية.

وهنا بدأت ملامح مختلفة في مسيرته تظهر بوضوح: مسؤول عسكري سابق يدخل إلى مساحة تحتاج إلى أدوات أخرى، أهمها القدرة على التواصل، وفهم طبيعة المكان، والعمل مع الأجهزة التنفيذية والمجتمع المحلي والاستثمار والسياحة.

جنوب سيناء.. التجربة التي صنعت الفارق

كانت جنوب سيناء المحطة الأطول والأكثر تأثيرًا في مسيرة خالد فودة التنفيذية.

فمنذ توليه المحافظة في يوليو 2011 وحتى خروجه من المنصب في يوليو 2024، أمضى نحو 13 عامًا في موقع واحد، وهي فترة طويلة أتاحت له التعامل مع ملفات المحافظة بصورة تراكمية، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد محطة إدارية قصيرة.

وخلال تلك السنوات ارتبط اسم المحافظة بملفات متعددة، من تطوير المدن والطرق والمرافق، إلى السياحة والاستثمار والفعاليات الدولية، فضلًا عن التعامل مع المجتمع المحلي والقبائل البدوية.

وعند مغادرته منصبه في يوليو 2024، أقام العاملون بديوان عام المحافظة ومشايخ القبائل والمواطنون احتفالية لتوديعه، وأشادوا بما اعتبروه جهودًا خلال فترة توليه المسؤولية، خصوصًا في ملفات التنمية والتعمير. وفي المقابل، أكد فودة نفسه أن ما تحقق كان نتيجة عمل جماعي شاركت فيه أجهزة المحافظة والحكومة ومؤسسات الدولة.

وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف عندها؛ فالتنمية المحلية لا يصنعها شخص واحد، وإنما تصنعها مؤسسات وفرق عمل وقرارات واستثمارات وتراكم سنوات. لكن المسؤول التنفيذي يبقى أحد أهم عناصر تحديد الإيقاع، ووضع الأولويات، ومتابعة التنفيذ.

شرم الشيخ.. من مدينة سياحية إلى منصة دولية

ارتبطت تجربة فودة في جنوب سيناء بصورة خاصة بمدينة شرم الشيخ، التي أصبحت خلال سنوات توليه المحافظة واحدة من أهم منصات استضافة المؤتمرات والفعاليات الدولية في مصر.

ولم يعد التعامل مع المدينة مقتصرًا على النشاط السياحي التقليدي، بل امتد إلى استضافة مؤتمرات وفعاليات دولية كبرى، وهو ما جعل ملف البنية التحتية والتنظيم والترويج السياحي جزءًا من مشروع متكامل يستهدف تعزيز مكانة المدينة.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الذي لا يزال يظهر في الملفات التي يتولاها فودة بعد مغادرته منصب المحافظ، خصوصًا عندما تتقاطع التنمية مع السياحة والرياضة والفعاليات الدولية.

عندما تصبح المشروعات معيارًا للحكم

من السهل أن يكتب المسؤول عن مشروع أو يعلن عن خطة، لكن الاختبار الحقيقي لأي تجربة تنفيذية يبدأ عندما ينتقل القرار من الأوراق إلى أرض الواقع.

ولهذا فإن قراءة تجربة خالد فودة لا ينبغي أن تعتمد فقط على عدد المناصب التي شغلها، وإنما على طبيعة الملفات التي تعامل معها، وطول الفترة التي قضاها في جنوب سيناء، وقدرته على إدارة ملفات متشابكة تجمع بين السياحة والتنمية والاستثمار والبنية الأساسية والفعاليات الدولية.

والأهم أن كثيرًا من هذه الملفات لم تكن منفصلة عن بعضها؛ فالسياحة تحتاج إلى بنية أساسية، والفعاليات الدولية تحتاج إلى مدينة مؤهلة، والاستثمار يحتاج إلى بيئة جاذبة، والتنمية تحتاج إلى استقرار وتعاون بين المؤسسات.

الميدان قبل المكتب

ربما يكون هذا هو المفتاح الأهم لفهم شخصية خالد فودة الإدارية.

فهو لم يكن من نوعية المسؤولين الذين يكتفون بإدارة الملفات من المكاتب. طبيعة تجربته العسكرية ثم سنواته الطويلة في المحافظات جعلت الحضور الميداني جزءًا أساسيًا من أسلوب عمله.

والفارق بين المسؤول الذي يرى المشروع في تقرير مكتوب، والمسؤول الذي يذهب إلى موقع التنفيذ، قد يبدو تفصيلًا صغيرًا، لكنه في الإدارة المحلية يمكن أن يكون فارقًا حقيقيًا في المتابعة واكتشاف المشكلات واتخاذ القرار.

وهنا تبدو خلفيته العسكرية حاضرة، ليس باعتبارها بديلًا عن الإدارة المدنية، وإنما باعتبارها خبرة سابقة في الانضباط والتنظيم والمتابعة وتحمل المسؤولية.

علاقة إنسانية تجاوزت حدود المنصب

على مدار سنوات العمل في جنوب سيناء، لم تكن علاقة خالد فودة بالمجتمع المحلي محصورة في الاجتماعات الرسمية. فقد حرص على التواصل مع المواطنين والقبائل والعاملين في الجهاز التنفيذي، وهو ما ظهر أيضًا في مشهد وداعه للمحافظة عام 2024، حين شارك مواطنون ومشايخ قبائل وعاملون في الاحتفال بمغادرته المنصب.

وهذا الجانب الإنساني لا يمكن فصله تمامًا عن العمل العام؛ فالمسؤول المحلي يتعامل يوميًا مع الناس، ويحتاج إلى بناء جسور من الثقة والتواصل حتى يستطيع تنفيذ ما يراه مناسبًا لمصلحة المكان.

ومن الطبيعي أن يترك المسؤول الذي يقضي أكثر من عقد في محافظة رصيدًا من العلاقات والتقدير الإنساني، لكن هذا الرصيد يظل في النهاية جانبًا من الصورة، وليس بديلًا عن تقييم العمل والنتائج.

شهادة صحفي.. من موقع المتابعة لا المجاملة

وإذا كان من حق القارئ أن يعرف طبيعة العلاقة التي جمعتني باللواء أركان حرب الدكتور خالد فودة، فإنني أضعها بوضوح في إطارها المهني: علاقة صحفي بمسؤول عام، فرضتها طبيعة العمل الصحفي والمتابعة المستمرة للملفات والأحداث التي ارتبطت بمسيرته التنفيذية.

لم تكن العلاقة قائمة على المجاملة، وإنما على الحوار والمتابعة وطرح الأسئلة ونقل ما يجري إلى القارئ، وهو ما أتاح لي خلال سنوات أن أراه في مناسبات ومواقف مختلفة، وأن أتابع أسلوبه في التعامل مع الإعلام ومع القضايا التي كانت مطروحة أمامه.

ومن هنا، فإن ما أكتبه عنه لا أقدمه باعتباره شهادة صديق، ولا باعتباره محاولة لتجميل تجربة مسؤول، وإنما باعتباره قراءة صحفية لشخصية عامة تابعتها بحكم المهنة، مع الاحتفاظ بالمسافة التي تفرضها الكتابة الصحفية بين التقدير الإنساني والتقييم الموضوعي.

وتوضيح هذه الخلفية مهم؛ لأن الصحفي حين يكتب عن شخصية تعامل معها مهنيًا، يكون مطالبًا بأن يكشف للقارئ زاوية العلاقة، وأن يترك للوقائع والتجربة العامة مساحة أكبر من الانطباعات الشخصية.

فلسفة العمل.. المنصب وسيلة

في قراءة مسيرة فودة، تبدو المناصب أقرب إلى أدوات لتنفيذ المهام منها إلى غايات في حد ذاتها.

فبعد سنوات القوات المسلحة، جاءت المحافظات، ثم جاء موقع مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، وهو موقع يرتبط بملفات التنمية المحلية ومتابعة المشروعات والاستفادة من المقومات التنافسية والتراثية للمحافظات. وقد شارك خلال 2026 في متابعة ملفات تنموية ومشروعات لتطوير المناطق التاريخية والحفاظ على الهوية البصرية والمعمارية.

وهنا ينتقل مفهوم المسؤولية من إدارة محافظة واحدة إلى رؤية أوسع تتعلق بالتنمية المحلية على مستوى الدولة.

الرياضة.. امتداد طبيعي للتنمية

لم تكن الرياضة بعيدة عن مسيرة خالد فودة، خصوصًا في ظل العلاقة الوثيقة بين الرياضة والسياحة والفعاليات الدولية في جنوب سيناء.

ويتولى فودة الرئاسة الشرفية للاتحاد المصري للترايثلون، كما ارتبط اسمه بملفات رياضية وتنظيمية تستهدف استضافة بطولات دولية في مصر.

وفي يونيو 2026 أعلن الاتحاد المصري للدارتس اختياره رئيسًا للجنة العليا المنظمة لملف استضافة كأس العالم للدارتس 2027 في شرم الشيخ.

وهنا تبدو الرياضة امتدادًا طبيعيًا لفكرة أوسع: تحويل المدن المصرية إلى منصات لاستضافة البطولات الدولية، وربط الرياضة بالسياحة والترويج للمكان، وليس التعامل معها باعتبارها منافسات رياضية فقط.

من تطوير المكان إلى بناء الإنسان

اللافت في المرحلة الحالية من مسيرة فودة أن اهتمامه لم يعد مقصورًا على المكان والمشروعات، وإنما امتد بصورة أوضح إلى ملف بناء الإنسان والهوية.

فهو يرأس مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، المقرر عقده في مكتبة الإسكندرية خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026، بمشاركة جهات ومؤسسات مصرية مختلفة، ويستهدف مناقشة الهوية المصرية والتحديات التي تواجه الأجيال الجديدة، بما في ذلك تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والتطور المتسارع في استخدامات الذكاء الاصطناعي.

وهذه المحطة تكشف تحولًا مهمًا في طبيعة الملفات: من تطوير المدن والبنية الأساسية إلى الاهتمام بالوعي والثقافة والهوية.

من المدرعات إلى المدن.. خيط واحد

قد تبدو المسافة كبيرة بين ضابط مدرعات تخرج عام 1976، ومحافظ للأقصر، ثم محافظ لجنوب سيناء، ثم مستشار لرئيس الجمهورية للتنمية المحلية.

لكن عند النظر إلى الرحلة كاملة، يمكن اكتشاف خيط مشترك: إدارة المكان، تنظيم الموارد، متابعة التنفيذ، وتحمل المسؤولية في الميدان.

تغيرت الأدوات، لكن فكرة العمل بقيت حاضرة

في القوات المسلحة كانت المسؤولية مرتبطة بالجاهزية والانضباط والقرار. وفي المحافظات أصبحت مرتبطة بالخدمات والتنمية والسياحة والاستثمار والتواصل مع المواطنين. وفي موقعه الحالي اتسع نطاقها ليشمل ملفات التنمية المحلية على مستوى أوسع.

ما يبقى بعد المنصب

المنصب العام ينتهي، لكن أثر التجربة لا ينتهي بالضرورة مع مغادرة المكتب.

والسنوات الطويلة التي قضاها خالد فودة في جنوب سيناء جعلت اسمه مرتبطًا بمرحلة كاملة من تاريخ المحافظة الحديث، كما أن انتقاله إلى موقع مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية أبقى خبرته التنفيذية داخل دائرة العمل العام.

أما اختياره للمشاركة في ملفات الرياضة والهوية الوطنية، فيكشف عن محاولة للاستفادة من خبرته في مجالات تتجاوز الإدارة التقليدية للمحافظات، وتربط بين التنمية والسياحة والرياضة والثقافة وبناء الإنسان.

في النهاية، لا يمكن اختزال خالد فودة في لقب أو منصب. فالمسيرة تمتد لنصف قرن تقريبًا منذ تخرجه في الكلية الحربية، مرورًا بالقوات المسلحة، ثم الأقصر وجنوب سيناء، وصولًا إلى موقعه الحالي.

وربما يكون أفضل وصف لهذه الرحلة هو أنها انتقلت من إدارة الوحدات والمواقع إلى إدارة المدن والملفات، ومن تطوير المكان إلى الاهتمام ببناء الإنسان.

وهنا تكمن قيمة أي تجربة عامة: ليس في عدد المناصب التي شغلها صاحبها، وإنما في قدرته على تحويل المنصب إلى عمل، والعمل إلى نتيجة، والنتيجة إلى أثر يبقى بعد مغادرة المكتب.

588b4710dbac.jpeg
6d80716c319b.jpeg
fcc3de5deddb.jpeg
fccff25b4b11.jpeg