الأربعاء 22 يوليو 2026 09:48 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

احمد قنديل يكتب : الهادم المحمول : ”قراءة سوسيولوجية ونفسية في تداعيات الثورة الرقمية”..

النهار نيوز
شهدت العقود الأخيرة تحولاً جذرياً في بنية العلاقات الإنسانية مدفوعاً بالطفرة التكنولوجية والمعلوماتية المتسارعة. وقبل هذه الثورة الرقمية، كان الفضاء المجتمعي يرتكز على التفاعل الفيزيائي المباشر، حيث اتسمت الحياة اليومية بالدفء الإنساني والتكامل الاجتماعي، وتمتع الأفراد بمتسع من الوقت لاستدامة الروابط الأسرية وتفقد الأحوال العامة. ومع ظهور الهاتف المحمول وتحوله من أداة اتصال لاسلكية إلى منصة ذكية شاملة، أُعيد تشكيل السلوك البشري؛ إذ تغلغل هذا الجهاز في أدق تفاصيل الحياة اليومية ليصبح المحور الأساسي لاهتمامات الأفراد، ممارساً أدواراً تفكيكية صامتة أصابت المنظومة القيمية والإجتماعية في مقتل.
لقد أدى الانشغال المفرط بالهواتف الذكية إلى تآكل مفهوم "رأس المال الاجتماعي"؛ حيث تراجعت معدلات التزاور الفعلي وأداء الواجبات الاجتماعية ووصلت إلى مستويات متدنية من الجفاء والفرقة. واستبدلت المجتمعات المعاصرة اللقاءات الحية التي تفيض بالمشاعر بـ "التواصل الافتراضي الاختزالي"، وأصبح الفرد يكتفي بإرسال رمز تعبيري (Emoji) أو كتابة تعليق مقتضب وسريع في المناسبات المختلفة، سواء في الأفراح أو الأتراح. هذا النمط من الاستسهال الرقمي جرّد المناسبات الإنسانية من عمقها العاطفي، وأحلّ العزلة الباردة والتباعد الوجداني محل التلاحم والتعاضد الأسري، مما رسخ حالة من الاغتراب الاجتماعي داخل محيط الأسرة الواحدة.
لم يقتصر الأثر السلبي للهاتف المحمول على الجانب الاجتماعي، بل امتدت مفاعيله لتشمل البنية الاقتصادية والإنتاجية. فقد ساهمت شاشات الهواتف في خلق حالة من "التغييب الذهني" الجماعي، حيث يقضي الأفراد ساعات طوال في التصفح العشوائي، مما أدى إلى هدر القيمة الزمنية وتراجع حاد في كفاءة الأداء المهني والإنتاجية القومية. وعلاوة على ذلك، أفرزت ظاهرة الاقتصاد الرقمي نماذج مستحدثة للتربح والكسب المادي السريع عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث عمد قطاع من المستخدمين إلى تبني آليات كسب تفتقر إلى المعايير الأخلاقية والمبادئ المجتمعية، من خلال انتهاك الخصوصيات، وابتذال المحتوى المعرفي، وتقديم الإثارة على حساب القيم، تلبية لشروط الخوارزميات وتحقيقاً لأعلى نسب مشاهدة.
ومن المنظور الأمني والسيبراني، تحول الهاتف المحمول من أداة تكنولوجية مساعدة إلى وسيلة متطورة للتجسس الرقمي ورصد السلوك البشري. فمن خلال جمع البيانات الضخمة ، وتحليلها، أصبحت الشركات الاحتكارية قادرة على استقراء أفكار المستخدمين، وتحديد انتماءاتهم الفكرية، وتتبع تفاصيل حركتهم اليومية. لقد تحول المحمول إلى "صندوق أسود" يختزل أدق أسرار الإنسان وخباياه، مما جعل الغالبية العظمى من البشر أسرى طواعية لهذه الأنظمة الذكية، ومسلوبي الإرادة في اتخاذ قراراتهم، ودون القدرة على إبداء أي نوع من الرفض أو المقاومة الواعية لآليات التوجيه الرقمي.
حيث أصبحت فئة الشباب هي الضحية الأبرز لهذا الغزو الرقمي؛ إذ أسهم الإستخدام غير المنضبط للمحمول في توجيه الكثير منهم نحو مسارات سلوكية وفكرية منحرفة، تتماهى مع ما يمكن وصفه بـ "سكة الشيطان". فقد باتت الشاشات مصدراً رئيساً لبث الأفكار المتطرفة، ودس الفتن، ونشر الشائعات التي تفكك السلم الأهلي.
ومن خلال استهداف العقول بمحتويات موجهة، نجحت الخوارزميات في إعادة صياغة اهتمامات الشباب وتوجيه سلوكياتهم عن بُعد، ليتحولوا في كثير من الأحيان إلى ما يشبه "عرائس المارونيت" الصامتة التي تحرك خيوطَها قوى تكنولوجية واقتصادية عابرة للقارات، مما ترتب عليه أيضاً إهدار مدمر للصحة البدنية والنفسية ومقدراتهم المالية.
وفي سياق متصل، برزت تداعيات خطيرة للمحمول على فئة الأطفال والنشء، مهددة سلامتهم الجسدية والعقلية. حيث تشير الدراسات النفسية والطبية إلى أن التعرض المستمر للشاشات في سن مبكرة يساهم في إضعاف القدرات البصرية، واضطرابات النوم، وزيادة معدلات السمنة الناتجة عن الخمول. ناهيك عن التداعيات النفسية مثل تشتت الانتباه، وفرط الحركة، والعزلة الافتراضية التي تعيق نمو مهارات الذكاء الاجتماعي واللغوي لديهم. ينعكس هذا التدهور الصحي والنفسي بشكل مباشر على "التحصيل الدراسي"؛ إذ يؤدي الإدمان الرقمي إلى تدني مستويات التركيز، وضعف الذاكرة قصيرة المدى، وهجر القراءة والمطالعة المنهجية، مما أسفر عن تراجع ملحوظ في المخرجات التعليمية والتحصيل المعرفي للأجيال الصاعدة.
وأخيرا، يمكن القول إن الهاتف المحمول الذي قُدم للبشرية كأداة لتقريب المسافات وتسهيل التواصل، قد تحول في جوهره إلى "هادم" بنيوي قوض أركان العلاقات الإنسانية واختطف الوعي المجتمعي. إن الارتهان الكامل واللامشروط لهذه التكنولوجيا يمثل تنازلاً طوعياً عن السيادة الذاتية وعن الروابط الفطرية التي تمنح المجتمعات استقرارها. ولتفادي الهبوط إلى الهاوية، بات من الضروري صياغة استراتيجيات تربوية وتوعوية شاملة تهدف إلى ترشيد الاستهلاك الرقمي وإعادة الاعتبار للمجال العام والروابط الأسرية الحية؛ فالرموز التعبيرية الجافة لن تنوب يوماً عن دفء المصافحة، والشاشات البراقة لن تعوض المجتمعات عن خسارة إنسانيتها وإرادتها الحرة.
الهادم المحمول أحمد قنديل القيم المجتمعات العادات والتقاليد