الأربعاء 22 أبريل 2026 04:41 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

البنائية التشكيلية والصناعة… حين يتحول الفن إلى هندسة للحياة

النهار نيوز

بقلم: أ.م.د / دينا يسري درغام

أستاذ التصوير الجداري المساعد ووكيل الدراسات العليا كلية الفنون الجميلة – جامعة المنصورة

البنائية التشكيلية هي حركة فنية و معمارية ثورية نشأت في روسيا (بداية القرن العشرين ) عقب الثورة البلشفية ، تهدف لدمج الفن بالحياة اليومية و خدمة المجتمع عن طريق بناء أنظمة إنشائية هندسية و تسخير المواد الصناعية مثل (الحديد، الزجاج، الخشب، اللدائن) رافضة لفكرة "الفن للفن"، تربط الحركة بين التصميم الهندسي الصارم والإنتاج الصناعي، حيث يُصمم المنتج ليؤدي وظيفة عملية بجماليات هندسية، مما يربط الفن بالهندسة والإنتاج الصناعي .

تعود البنائية في أصولها إلى النزعتين التكعيبية والمستقبلية في التصوير والنحت، أسسها الفنان فلاديمير تاتلين (1875-1953) Vladimir Tatlin، الذي كان أبرز دعاة هذا التطور الجديد ، المصوّر أصلاً. وقد يعزى التأثير الكبير في النزعة البنائية لرواد الفن في فرنسا، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، و الذي صمم نصب تذكاري للثالثة الدولية شكل رقم (1) و يعرف بإسم ( برج تاتلين ) ، بالإضافة إلى بعض أعماله النحتية التي إستخدم فيها العديد من الخامات كالخشب و الأسمنت لتشكيل كتلة هندسية مجردة شكل رقم (2) ، كذلك مجموعة اللوحات التي اقتناها من فرنسا جامع اللوحات الروسي سيرغي شيشكين، الذي هيأ لفناني موسكو معرفة آنية بالحركات الرائدة في باريس. وكان تاتلين قد التقى بابلو بيكاسو عام 1913 في باريس وشاهد منحوتاته واستلهمها. وكان بيكاسو يصنع تلك المنحوتات من صفائح المعدن والخشب والورق المقوّى على هيئة (أشكال بارزة – Reliefs) ، تمثل غيتارات موسيقية وأقداح خمر، ولكن تاتلين بنى طبقاته البارزة بعد عودته إلى موسكو من غير ذلك الحافز التشبيهي، بل كانت أعماله تمثل بنائيات تجريدية بحتة. والحق أن تاتلين استمد شيئاً من بيكاسو وصار من أتباع المستقبليين الإيطاليين و أصبح متأثراً بأفكارالنزعتين المذكورتين. وقد شرح الكاتب والناشر الفني الفرنسي هنري كانوايلر التكعيبية بقوله: «بناء مستويات على نسق «معماري حاد »، بحيث تجعل الضوء يعزز الشعور بصلابة البناء لا أن يضعفه أو يمحوه». ويقول بيكاسو في هذا الصدد: «أود أن أرسم الأشياء بشكل يستطيع المهندس أن يبنيه اعتماداً على لوحاتي» ،ولكنه شعر، في الوقت نفسه، بأن العصر في حاجة إلى نوع من الفن السحري أو فن اللاوعي، مواساة روحية للإنسان المثقل بالآلية، ولذلك لم يُلزم نفسه بجعل الآلة معبوداً رمزياً، لكنه تنبأ بتطور سريع للفن التشكيلي مع تطور الثورة الصناعية التي ولدت الهندسة التي أسهمت في التطور الصناعي. وقد يكون المستقبليون هم أول من تقبل عصر الآلة مثالاً جمالياً، لكنهم قدّسوا مفاهيم السرعة والقوة التي تمثلها الآلة أكثر مما قدروا نتائجها الفعلية. وبعد عام 1914 حاولت جماعة من الفنانين الطليعيين في موسكو أن تطبق التقنيات والمفاهيم الهندسية على «البناء التشكيلي»، وبذا أُطلق على أعمالهم في هذا المجال اسم «بنائيات».

أما الفنان البنائي الآخر كازيمير ماليفيتش (1878-1935) Kazimir Malevitch ، فقد بدأ باستنباط نظريته في التجريد الهندسي التي أطلق عليها اسم Suprématisme أي مذهب( الأوجية أو التفوقية ) حيث نلاحظ أنه ذهب بالتجريد إلى أقصى مداه و أعلن نهاية التمثيل الموضوعي في الفن و إهتم بطرح اللون و الشكل بإعتبارهما التجسيد الحقيقي للقيمة الجمالية ( شكل رقم 3 ) ، و من الجائز أن يكونا تاتلين وماليفتش قد اطلعا على البيان المستقبلي الذي أصدره المصور والنحات الإيطالي أومبيرتو بوتشيوني (1882-1916) Umberto Boccioni ودعا فيه إلى استعمال الزجاج والخشب المقوّى والإسمنت في الأعمال الفنية، إضافة إلى شعر الحصان والجلد والقماش والمرايا والمصابيح الكهربائية.

ألف تاتلين وماليفتش في موسكو مع فاسيلي كاندينسكي ، والأخوين بفسنر (أنطوان بفسنر- أنطوان بفسنر ) و( نعوم غابو-نعوم غابو ) تجمعاً دعوا فيه إلى الفكر البنائي في الفن، ما لبث أن انتشر في أنحاء العالم.

العلاقة بين البنائية التشكيلية والصناعة :

• الوظيفية والإنتاج: هدفت البنائية إلى أن يكون الفن جزءاً من الحياة اليومية له هدف اجتماعي أو عملي ، لذا ركزت على تصميم منتجات صناعية، أثاث، ومعمار يُنتج بكميات كبيرة.

• المواد الصناعية: استخدم البنائيون مواد حديثة كالمعادن، الزجاج، الخشب ، البلاستيك ، واللدائن، متأثرين بأساليب التكعيبية والمستقبلية في البناء بأسلوب يشبه (سقالة البناء ).

• الفكر التصميمي: تم دمج الفكر البنائي في المنتج الصناعي، حيث يتم التركيز على بنيوية العناصر مجتمعة (الهيكل الهندسي) ، و الزوايا القائمة في صياغة الكتلة النحتية من خلال قيم الحركة ( المتكررة ، المتنوعة ، الحرة ، المستمرة ) ، لتحقيق قيم جمالية و وظيفية و يتضح ذلك في أعمال نعوم غابو و أنطوان بيفسنر ، شكلي ( 4 ، 5 ) و التي ركزت على النحت الحركي و المواد الشفافة لإظهار الفضاء و الحجم .

• التشكيل الصناعي: يشمل التشكيل في التصميم الصناعي صياغة الخامات (مثل اللدائن) لإنتاج وحدات بنائية ذات خطوط خارجية هندسية، وهو ما يربط القيمة التشكيلية بالوظيفة .

أسباب نهاية البنائية:

• التحول الأيديولوجي: انتقلت الدولة السوفيتية من دعم الطليعية الفنية إلى فرض الواقعية الاشتراكية، مما جعل الفن البنائي المجرد غير مرغوب فيه.

• الوظيفية المفرطة: التركيز الشديد على أن الفن يجب أن يكون "نفعياً" (صناعي، معماري) أدى إلى إهمال الجوانب الجمالية والفردية، مما قلل من جاذبيته الفنية بمرور الوقت.

• غياب النتاج الفني الحر: رغبة النظام في استخدام الفن كأداة دعاية مباشرة أضعفت الطابع الإبداعي للحركة.

رغم انتهائها كحركة جماعية في روسيا، إلا أن مبادئ البنائية (استخدام الأشكال الهندسية، الوظيفية، التصميم الصناعي) استمرت وتطورت في مدارس فنية عالمية أخرى مثل مدرسة الباوهاوس.

البنائية التشكيلية والصناعة… حين يتحول الفن إلى هندسة للحياة