د. محمود ابوعميرة يكتب: ”تحرير سيناء: قصة وطن لا يعرف الانكسار


في حضرة الذكرى، حيث تتجلّى الأرواح في أنقى صفائها، وتنهض الكلمات من سباتها لستلهم نور المجد، تقف سيناء كأيقونةٍ خالدة، كقصيدةٍ كُتبت بحروفٍ من دمٍ ونور، كأرضٍ تعانق السماء وتهمس للتاريخ: هنا مرّ الرجال، وهنا انتصر الحق، وهنا عادت الأرض إلى حضن الوطن الحبيب… مصر.
سيناء… ليست مجرد جغرافيا تُستعاد، بل روحٌ كانت غائبة فعادت، ونبضٌ كان مختنقًا فتحرر، وحلمٌ طال انتظاره حتى صار حقيقة تتلألأ في جبين الزمان، تلك الأرض التي مشت عليها أقدام الأنبياء، وارتفعت فوق ترابها دعوات السماء، لم تكن يومًا إلا قدرًا مقدسًا في قلب كل مصري، يسكنه الشوق إليها كما يسكن الإيمان قلب المؤمن.
ثم جاء ذلك اليوم… يومٌ لم يكن ككل الأيام، يومٌ انشق فيه فجر الكرامة عن نورٍ لا يخبو، يوم العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر عام 1973، حين نهضت مصر من عمق جراحها، لا لتتذكر الألم، بل لتكتب الخلاص، كان اليوم الذي انحنت فيه المستحيلات أمام إرادة الإنسان، وتكسّرت فيه قيود الوهم على صخرة اليقين.
في تلك اللحظة الفارقة، لم يكن الجندي المصري مجرد مقاتل، بل كان معنى متجسدًا للكرامة، وكان الوطن يتنفس من خلاله حيث عبروا القناة وكأنهم يعبرون من زمن الهزيمة إلى زمن العزة، من ضيق الألم إلى سعة المجد، لم تكن المياه عائقًا، بل كانت طريقًا، ولم يكن العدو سدًا، بل كان اختبارًا لإرادةٍ لا تعرف الانكسار.
كانت البطولة هناك شيئًا يتجاوز الوصف، حالةً من الصفاء النادر، حيث يمتزج الإيمان بالفعل، ويصبح الإنسان أكبر من جسده، وأوسع من حدود خوفه، رأيت فيهم مصر كلها: فلاحها، عاملها، معلمها، شاعرها، طفلها الذي لم يولد بعد لكنه يستحق وطنًا حرًا، كانوا يمضون إلى المعركة بقلوبٍ مطمئنة، لأنهم يعرفون أن الله لا يخذل من يدافع عن الحق.
ويا لعظمة الإنسان المصري… هذا الكائن الذي علّم الدنيا كيف تُبنى الحضارات، وكيف تُصاغ القيم من حجرٍ ونور، وكيف يُكتب الخلود على جدران الزمن، هو نفسه الذي وقف في أكتوبر، لا يحمل فقط سلاحه، بل يحمل تاريخه كله، يحمل الأهرامات، والنيل، واللغة، والصبر، ويحمل قبل ذلك إيمانًا لا يتزعزع بأن مصر تستحق.
إن عبقرية المصري لم تكن يومًا صدفة، بل كانت قدرًا متجددًا، فكما رسم ملامح الحضارة الأولى، عاد ليرسم ملامح النصر الحديث فخطط، وصبر، وأبدع، حتى صار الانتصار لوحةً متكاملة، لا خلل فيها، ولا نقص، وكانت الحرب علمًا وفنًا، وكانت الإرادة روحًا تسري في كل التفاصيل، من أصغر جندي إلى أعظم قائد.
لكن مصر، تلك الأمة العريقة، لم تكن يومًا عاشقةً للحرب، بل كانت دومًا صانعةً للسلام، فحين وضعت الحرب أوزارها، بدأت ملحمةٌ أخرى، لا تقل عظمة، ملحمة الدبلوماسية، حيث تتحول القوة إلى حكمة، والانتصار إلى رؤية، ففي قاعات التفاوض، كما في ميادين القتال، أظهرت مصر وجهها الحضاري، الوجه الذي يعرف كيف يسترد الحق دون أن يفقد إنسانيته.
كانت المفاوضات اختبارًا من نوع آخر، اختبار الصبر الطويل، والنفس العميق، والثبات على المبدأ، ولم تكن عودة سيناء إلا تتويجًا لهذه المسيرة، عودة الأرض كاملة، مرفوعة الرأس، كما أرادها أبناؤها، عادت سيناء، لا كقطعة أرضٍ فحسب، بل كقصة انتصارٍ مكتملة، تبدأ بالبندقية وتنتهي بكلمة الحق.
وحين عادت، كان المشهد أشبه بعودة الروح إلى الجسد، احتضنتها مصر كما تحتضن الأم ابنها العائد من الغياب، بدموعٍ تختلط فيها الفرحة بالفخر، وبقلبٍ يدرك أن كل ذرة ترابٍ في هذه الأرض قد رُويت بعرق ودمٍ ودعاء.
إن هذا النصر، بكل ما فيه من مجدٍ وعظمة، لم يكن إلا نفحةً من عند الله، العزيز الوهاب، القاهر فوق عباده، الذي يمنح النصر لمن صدق، ويكتب الخلود لمن أخلص، لم تكن المعركة مجرد حسابات أرضية، بل كانت معركةً يُباركها الإيمان، ويقودها اليقين، وتُحسم بإرادةٍ موصولة بالسماء.
وهكذا يبقى أكتوبر أكثر من ذكرى… إنه حالة، إنه روح، إنه درسٌ لا ينتهي، يعلّمنا أن الإنسان حين يؤمن يصبح أقوى من كل شيء، وأن الوطن حين يُحب، يصبح أغلى من الحياة نفسها، يعلّمنا أن السلام ليس ضعفًا، بل هو ذروة القوة، وأن الكرامة لا تُستعاد إلا بثمن، لكن هذا الثمن يصنع الخلود.
ستظل مصر كما كانت دائمًا معلمة للشعوب، لا بما تقول فقط، بل بما تفعل، وستظل نموذجًا للإنسان الذي لا ينكسر، وللوطن الذي لا يُهزم، وللحضارة التي لا تغيب، وفي قلبها ستظل سيناء جوهرةً مضيئة تذكّر العالم كله أن الحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع.
سلامٌ على سيناء… حين صبرت، حين قاومت، حين عادت.
وسلامٌ على مصر… حين نهضت، حين انتصرت، حين سامحت وصنعت السلام.
وسلامٌ على كل روحٍ عبرت نحو المجد، وكتبت بدمها أن هذا الوطن… لا يُقهر.



















حريق بمخزن مستلزمات طبية بمعهد الكبد القومى ورئيس جامعة المنوفية يتابع...
شاب يشنق نفسه بعد 4 شهور زواج بالسادات
حكم جديد بالبراءة يرسى قواعد هامه .. نجاحات قانونيه تضاف للمساعد والخبير
تموين كفرالشيخ يشن حملات على الاسواق
طبيبة تنقذ مريض من الموت وتفارق الحياة بعد خروجها
حركة تنقلات محدودة لرؤساء المراكز والمدن للارتقاء بمستوى الخدمات
حريق محدود بمعهد الكبد بشبين الكوم.. والسيطرة دون إصابات
”تنفيذًا للقانون”.. فصل التيار عن عقارات في قرى قويسنا