الأحد 19 أبريل 2026 04:08 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

المقالات

د .محمود ابوعميرة يكتب: يا فاتنَ عمري… هل انتهى أمري؟

النهار نيوز

يا فاتنَ عمري، يا من تسللتَ إلى قلبي كما يتسلل الضوءُ إلى فجْرٍ خجول، أما زلتَ هناك، أم أنك رحلتَ وتركتني أُحادثُ صدى اسمك في فراغٍ لا يجيب؟ كنتَ بداية الحكاية حين ظننتُ أن العمرَ يُولدُ من ابتسامة، وأن القلبَ لا يعرفُ الانكسار ما دام يعرفُ طريقك، كنتَ وعدًا يشبه المطر، يأتي دون موعد، ويغمرُ روحي بلا استئذان، حتى حسبتُ أني خُلقتُ لأكون ظلك أو تكون أنتَ قدري الذي لا يُكتب إلا بي.
يا فاتنَ عمري، يا نُقطةَ البدءِ التي احسست بها دهشتي الأولى، يا مَن إذا حضرَ اتّسعَ الكونُ حتى يضيقَ بي، وإذا غابَ ضاقَت الحياة حتى تتّسعَ لك وحدك… أأكتبُ إليك لأنك تسمع، أم لأن الصمتَ في وجودك كان أبلغَ من كلِّ اعتراف؟
كنتُ أظن كما يظنُّ الحالمون أن الحبَّ قدرٌ مكتوبٌ بحبرٍ لا يمحوه الزمن، وأن القلوب إذا تعلّقت لا تنفلت، وإذا أشرقت لا تغيب، لكنني تعلّمتُ منك يا فاتني أن بعض القلوب نجومٌ عابرة تضيء العمر لحظةً ثم تمضي، وتترك في السماء أثرًا لا يُطال.
يا فاتنَ عمري، لم تكن في حياتي حكايةً تُروى، بل كنتَ اللغةَ التي تُروى بها كل الحكايات، كنتَ المعنى حين تتبعثر الكلمات، والصمتَ حين تعجز البلاغة عن البوح، كنتُ إذا ناديتُك في داخلي أجبتني الدنيا كلها، وإذا غبتَ لم يُجبني حتى صدى صوتي، فهل انتهى أمري لأنك انتهيت؟
أم أني بدأتُ فيك، ولن أنتهي إلا بك؟ فاذا كان الفقدَ يُعلّم الدرس ترى كم يُكلف هذا الدرس من قلبٍ يُنزف، وكيف تُعادُ كتابةُ الروح بعد أن تُمحى منها أجمل سطورها؟

لكن، يا فاتن عمري… كيف تحوّل دفءُ حضورك إلى بردٍ يكسو أيامي؟ كيف صار صوتك الذي كان يُقيمُ في أعماقي مجردَ ذكرى تتكسّر على شاطئ النسيان؟ هل انتهى أمري حين انتهيتَ أنت؟ أم أني ما زلتُ أتنفسك رغم الغياب كمن يشربُ من سرابٍ ويُصدّق أنه ماء؟
كنتُ أظن أن الحبّ خلود وأن العاشقين لا يُهزمون مهما اشتدت عليهم الحياة، لكنني الآن أتعلم ببطءٍ موجع أن بعض الحب لا يُنقذ، بل يُغرق وأن بعض الذكريات لا تُنسى، بل تُقيم فينا كجرحٍ جميل.
يا فاتنَ عمري، إن كان الحبُّ نارًا فقد احترقتُ بك حتى صرتُ رمادًا يُشبهك، وإن كان بحرًا، فقد غرقتُ فيك حتى نسيتُ اليابسة، فكيف النجاة ممن كان الغرقُ فيه حياة؟
أُفتّشُ عنك في تفاصيل أيامي، في ارتعاشةِ فجرٍ لم يكتمل، في قلقِ ليلٍ يرفضُ أن يهدأ، في عيونِ المارّة لعلّي أراك في أحدهم، لكنني لا أجدك، لأنك لم تكن شبيهًا لأحد، فكنتَ استثناءً، والاستثناء لا يُعوَّض.
يا فاتنَ عمري، أتعلم ما هو أكثر الما من الغياب؟ أن يبقى الحبُّ حاضرًا رغم الغياب،
أن يظل القلبُ وفيًّا لذاكرةٍ لا تعود، وأن يظلّ اسمك يُزهر في داخلي، رغم أنك اقتلعتَ نفسك منّي بلا رحمة.
يا فاتنَ عمري، لن اكرهك كما يفعل العابرون، ولن أنساك كما يتظاهر الناجون، بل سأحملك كسرٍّ جميل، كقصيدةٍ لا تُنشد إلا في الخفاء، كجرحٍ يُضيء بدل أن يُظلم، فإن كان أمري قد انتهى بك، فما أجمله من انتهاء وإن كان ما زال في القلب متّسعٌ لنبضٍ آخر، فأنتَ أولُه… وآخره… وما بينهما من حياة.

يا فاتن عمري، إن كان أمري قد انتهى فليكن على يديك فما أجمل الهزيمة حين تكون بسببك، وما أعمق السقوط حين يكون في عينيك، لكنك لا تعلم أنك لم تكن مجرد قصة عابرة، بل كنتَ العمر حين ضاق والحلم حين انكسر والقصيدة التي لم أكتبها لأنك كنتَ أعمق من الكلمات.
هل انتهى أمري؟ ربما لكن النهاية ليست موتًا دائمًا، قد تكون تحوّلًا، أو بدايةً لروحٍ تتعلّم كيف تُحبُّ دون أن تنكسر، فإن عدتَ يومًا ولو طيفًا ستجدني كما أنا: أجمعُ بقاياك من قلبي، وأزرعها وردًا في صدري علّها تُزهر يومًا أو تذبل بسلام، يا فاتن عمري إن كانت هذه هي النهاية، فدعني أُحبك حتى آخرها، فبعض النهايات تستحق أن تُعاش كأنها بداية، يا فاتنَ عمري ما انتهيتُ بك، بل بدأتُ بك ما لا ينتهي.

محمود ابوعميرة يكتب يا فاتنَ عمري هل انتهى أمري