الأحد 19 أبريل 2026 04:20 صـ
النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز
  • جريدة النهار نيوز

رئيس مجلس الإدارة د. يحيى عبد القادر

رئيس التحرير جودة أبو النور

مدير التحرير محمد سليمان

الأخبار

السِّيبرنوقراطية” لحميد لغشاوي.. سردية الإنسان في زمن الخوارزميات

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عمّان - مجدي بكري

لا يقدّم الباحث المغربي الدكتور حميد لغشاوي، للقارئ العربي، كتابًا فلسفيًا تقليديًا، ولا يقترح جملة من الإرشادات الأخلاقية، عبر مؤلّفه الجديد "السِّيبرنوقراطية.. الوجه الآخر للحضارة الرقمية"، بل يجترح فضاء يوفّر محاولة لقراءة الإنسان وهو ينزلق بهدوء إلى مسرح افتراضي صاخب، حيث تتحوّل الحياة إلى شاشة، والذاكرة إلى ومضات.
يستعير الكتاب، وقد صدر حديثًا عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026)، صورة "ماكوندو" من رواية "مئة عام من العزلة"، ليقارب حالة معاصرة من فقدان المعنى، حيث لم يعد الإنسان يخشى نسيان الأشياء بقدر ما يخشى ذوبانه داخل تدفّق الصور والنصوص والرموز الرقمية. في هذا السياق، لم تعد المعرفة تُنقل عبر مؤسساتها التقليدية، بل عبر وسائط سائلة تصوغ وعياً سريعاً، هشّاً، ومفتوحاً على التحوّل الدائم، ضمن عالم تتفكك فيه البنى الاجتماعية وتتصاعد فيه الفردانية تحت ضغط التقنية.
كما ينشغل الكتاب بسؤال "السيبرنوقراطية"، بوصفها قوة خفية تعيد تشكيل الإنسان، لا فقط في سلوكه، بل في جوهره المعرفي والأخلاقي. فالمجتمع الافتراضي لا ينتج وعياً ناضجاً بقدر ما يعيد تدوير الانفعال، ويصنع نماذج بشرية تتغذى على "الترند" والظهور السريع، ضمن اقتصاد رمزي تحكمه الخوارزميات. هنا، تتآكل القيم الصلبة، وتُصنع الهويات بلا ذاكرة، ويتحوّل الفرد إلى كائن معلّق بين الاستهلاك والإنتاج داخل شبكة ترصده وتعيد تعريفه باستمرار.
وتتجلّى إشكالية الكتاب بالسعي لتفكيك هذا التحوّل: كيف يُعاد تركيب الإنسان رقمياً؟ وكيف يمكن قراءة هذا الواقع الهجين الذي يتأرجح بين وهم الحرية وفخ السيطرة، في زمنٍ تُكتب فيه الذات بيد التكنولوجيا، لا بيد التجربة؟
وخلال تقديمه للكتاب يلفت المؤلّف النظر إلى أن البشرية تشهد تحوّلًا جذريًا بفعل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أعادت تشكيل أنماط التفكير والمعرفة والبنى الاجتماعية، وأزاحت اليقينيات القديمة لصالح واقع رقمي متغيّر. لم تعد المعرفة ذات جدوى إن بقيت أسيرة قوالب تقليدية، إذ انتقلت من هرمية مغلقة إلى فضاء شبكي مفتوح، سريع، ومضطرب، تتراجع فيه سلطة المثقف والمؤسسات أمام هيمنة الوسائط الرقمية والشركات التكنولوجية الكبرى. وفي هذا السياق، باتت التكنولوجيا معيارًا لقوة الدول ومحرّكًا أساسيًا للتنمية، فيما تتشكل «الحضارة الرقمية» بوصفها نظامًا جديدًا للعلاقات الاجتماعية، ينقل الإنسان من الانتماء إلى الجماعة إلى الانخراط في شبكة بلا حدود، تتجاوز إيقاعها كل ما سبقها.
غير أن هذا التحول، وفقا للمؤلف، لم يمرّ دون كلفة؛ إذ أدّى إلى تفكك المرجعيات التقليدية وارتباك الهوية، التي غدت مفتوحة وقابلة لإعادة التشكّل داخل الفضاء الافتراضي، حيث يولد الفرد ويموت رمزيًا مرارًا. في هذا العالم، تتأسس رؤى جديدة على أنساق شبه أسطورية تغذّي الوهم والانفعال، وتعيد إنتاج الحقيقة عبر الخداع والتكرار، بما يهدد الذاكرة والوعي معًا. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تفكيك هذه البنى لفهم الإنسان الجديد، المحاصر بين إغراءات الحرية الرقمية ومخاطر التلاعب، في زمن تتسارع فيه الأكاذيب بقدر ما تتآكل فيه القدرة على التمييز.
يتوزع الكتاب على بنية فكرية تتدرج من التأصيل إلى التفكيك ثم التمثيل؛ إذ ينطلق بتحديد فرضياته قبل أن يغوص في مفهوم «السيبرنوقراطية» عبر تحليل الذكاء الاصطناعي، وتحول الإنسان من كائن مادي إلى امتداد رقمي، وصولًا إلى أزمة الذاكرة الافتراضية. ثم ينتقل إلى تفكيك العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الافتراضية، كاشفًا تحولات الوعي، والمحاكمات الرقمية، وأشكال الفساد والنظام العام داخل الشبكة. وفي مسار لاحق، يرصد التحول من العقلانية إلى الانفعالية بوصفها روح العصر الرقمي، محللًا بنيات نفسية وفصامية داخل المتخيل الافتراضي. ويختتم بقراءة تمثلات هذا العالم في الهوية والأسرة والنسوية والرمز الثقافي والأخلاق، قبل أن ينتهي بخلاصة نقدية تؤطر هذه التحولات ضمن رؤية شاملة لعالم يتشكل على إيقاع الشاشة.
ويخلص المؤلّف إلى أن التكنولوجيا أعادت تشكيل الإنسان بوصفه كائنًا رقميًا يتكوّن داخل الشبكة لا خارجها، بهويات متحوّلة وسرديات متناقضة، تتجاوز ثنائيات الماضي وتؤسس لوجود افتراضي مفتوح. لم يعد الإنتاج المعرفي منفصلًا عن الوسائط الرقمية، بل بات رهينًا لها، خاضعًا لتعديلاتها وسرعتها وانفلاتها من الضبط، ما أحدث انقلابًا في مفاهيم الفكر والقيم والعلاقات. وبدل الصراع المعرفي العميق، نشأ صراع أثيري تغذّيه الرغبة والانفعال، يعيد ترتيب المجتمع في شكل شبكي أفقي، حيث تتقدّم العاطفة بوصفها لغة العصر، وتتراجع العقلانية أمام طوفان التفاعل السريع، فتتشكل معانٍ جديدة للحياة محمولة على الوهم والتمثيل والظهور.
أمام هذا التحول، وفقا للخاتمة التي تضمنها الكتاب، يصبح الفهم النقدي ضرورة لا خيارًا: فهم قواعد اللعبة الرقمية، وتفكيك خطابها، وبناء استراتيجيات ثقافية قادرة على التفاعل معها دون الارتهان لها. فالهويات اليوم تُعاد صياغتها داخل بيئة افتراضية قد تعيد إنتاج الهشاشة إن لم تُخضع للمساءلة، فيما يسهم الفرد نفسه في تشكيل هذا العالم بما ينتجه من معنى ورغبة وخطاب. لذلك، لا مهرب من الانخراط الواعي في الحضارة الرقمية، لا رفضها ولا التسليم لها، بل ممارستها بوعي نقدي يحدّ من عنفها الرمزي ويستثمر إمكاناتها. إنها معركة بناء ذات جديدة: متصالحة مع التكنولوجيا، يقظة تجاه أوهامها، وقادرة على حماية إنسانيتها وسط هذا الفيضان الذكي.

b44db1aa630d.jpg
سردية/الانسان